معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 74
قلت: والّذي يظهر من بعض كلامهم أن ابن عبدوس (1) أفقه، ولقد تكلم مع ابن عبدوس، يوما في مسألة، فقال ابن سحنون: قال سحنون فيها كذا، فقال له ابن عبدوس: لم يقله لو قاله لرويناه، فلما مشى ابن سحنون إلى داره، أخذ ورقة وقال لبعض أصحابه: امش إلى ابن عبدوس وقل له: خطّ من هذا؟ فإذا قال لك: هو خطّ سحنون فقل له: اقرأ هذا اللّفظ، فإذا قرأه فقل له يقول لك محمد بن سحنون:
أ تكون منزلتي عند سحنون كمنزلتك؟ أنا معه في الدار وغيري برّا (2) فذهب فقرأه فوجده كما قال ابن سحنون. وهو أيضا ظاهر قول أبي بكر التّجيبي: كان أبو سعيد بن أخي هشام يميل إلى كتاب ابن سحنون، وكان فيما رأيت يعتمد عليه، وكان أبو القاسم بن شبلون يفضل المجموعة على غيرها ويعتمد عليها.
قلت: وهذا يرجّح الأوّل، لأن ترجيحه لها انما هو لما احتوت عليه من الفقه، وقيمة الإنسان ما ألّف وهو ظاهر قول أبي العرب، قلت لحبيب (3) صاحب مظالم سحنون، من كنت تسأل إذا نزلت بك المسائل؟ قال: كنت أسأل سحنونا، فإن لم أقدر على سؤاله، سألت محمد بن عبدوس فتخصيصه لسؤاله بعد سحنون دون غيره، يدلّ على ما قلناه واللّه أعلم. وتقدم خلاف هذا من قول عيسى ما رأيت في العلم مثل ابن سحنون.
ذكر بقية أخباره
قال أبو عبد اللّه محمد بن حارث: كان ابن عبدوس مستجاب الدعاء، دعى على ابن الأغلب.
قال: روى الشيخ أبو الحسن ابن القابسي قال: أتى رجل يوما إلى ابن عبدوس في الوقت الذي اختلف فيه أصحاب سحنون في مسألة الإيمان هل يقول:
أنا مؤمن إن شاء اللّه أم لا؟ فضرب عليه بابه فخرج إليه فقال له الرجل: ما مذهبك في الإيمان؟ فقال له: أنا مؤمن. فقال له: قلت لك أنا مؤمن، فأما عند اللّه فلا
(1) في ت: ابن سحنون.
(2) بمعنى: خارج البيت.
(3) هو حبيب بن نصر بن سهل التميمي ولاه سحنون المظالم سنة 236 أو 237. توفي سنة 287 ه. ترجم له في: الديباج المذهب ص: 175 - 176.