فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 78

و قال أبو العرب: «صحبته سنين ما رأيته فيها، ضحك وما كاد يغضب ما يخوض في شيء من أمور الناس طويل الصلاة رفيقا بمن يطلب العلم عنده» (1) .

قال: روي أنّه لما تكلم أبو إبراهيم: أحمد بن محمد بن الأغلب في حال سكره بكلام يشعر بالكفر أعلم بذلك حين صحا، فندم وتاب إلى اللّه تعالى وحلّق رأسه، وجمع فقهاء القيروان فأعلمهم بذلك وسألهم: هل له من توبة؟ فكلّهم صعب عليه الأمر، إلا محمد بن يحيى بن سلام، فإنه قال له: إن كنت اعتقدت ما تكلمت به فهو عند اللّه عظيم. وإن كنت لم تعتقده فالتوبة مبسوطة، فتب إلى اللّه تعالى، وتقرّب إليه بالصدقة، فقال له: جزاك اللّه خيرا كما دلّلتني على اللّه تعالى ولم تؤيّسني من رحمته التي وسعت كلّ شي ء، فظهرت من أبي إبراهيم آثار جميلة من أفعال البرّ والصّدقات، وبناء المساجد والمواجل، حتى مات ولم يترك في بيوت أمواله شيئا.

قلت: هذا الكلام فيه إجمال، فإن بيان ما فعله بالتنصيص عليه أحسن من إجماله مع ما في بسط الزيادات قال أبو بكر التجيبي: كان أبو إبراهيم أجمل بني الأغلب، وكان له شعرة، وكان إذا جلس مع الجواري للشّرب نظمت شعرته بالجوهر المصنّف، ويجعل من فوقها التّاج المكلل بالدرّ والياقوت الأحمر، وكذلك يفعل الجواري فنظر إلى وجهه في المرآة فتكلم بكلمة كفر، فلما أفاق أخبر بذلك، فبكى وندم وأمر برأسه فحلق شعرته وتاب، ووجه في طلب القاضي سليمان، وجميع علماء المدنيين والعراقيين فسألهم فصعّبوا عليه، وركب إلى الدّمنة إلى الضّرير المتعبّد وكان مستجابا فأخبره وسأله في الدّعاء، ثم ركب إلى قصره في قضاته ووزرائه، حتى دخل عليهم محمد بن يحيى بن سلام وذكر ما تقدم، ثم قال وأمر بإخراج ثلاثمائة ألف دينار من بيت مال المسلمين، فأمر ببناء ماجل باب تونس وبناء في جامع القيروان القبّة الخارجة عن البهو مع الصّفّتين اللتين يليانها من جانبيها جميعا، وبلاطها الذي بين يديها مفروش، وعمل المحراب جلبت له تلك القراميد اليمنية لمجلس أراد أن يعمله وجلبت له من بغداد خشب السّاج ليعمل له

(1) هذا القول قاله أبو العرب في شأن «يحيى بن سلام» وليس في ابنه. قوله: «ما رأيته قط ضحك ولا غضب إلا مرّة واحدة صاح على غلام له، وكان محسنا في علمه، متواضعا فيه، قليل الخوض فيما لا يعنيه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت