فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 87
التخويف بقتل أجنبي هل هو إكراه أم لا؟ والصّحيح أنّ التّخويف بالولد إكراه، وفي التخويف بالمال ثلاثة أقوال، فقيل: إكراه مطلقا وعكسه، وقيل: إن كان كثيرا فالأول، وإلا فالثاني.
ذكر ما كان عليه من السخاء
قال: بلغ من جوده أنه كان يتداين المال ويتصدّق به، وإذا لم يحضره شيء يتصدّق بلجام فرسه وبمصحفه وبنعله من رجله وخاتم يده، وحليّ بناته وعياله، وكان إذا رأى بعض الفقراء في الشتاء ليس عليه دثار نزع فروه وبعض ثيابه وكساه.
و روي أنّ أحمد بن معتب سأله لرجل معروفا فناوله ابن طالب كمه، وأدخل يده لينزع قميصه فقال له ابن معتب: معاذ اللّه أن أبلغك هذا المبلغ، فقال ابن طالب:
لا يسبق إليك أنّ هذا عن ضجر منّي لست واللّه أملك في هذا الوقت دينارا ولا درهما، ولا بدّ أن يأخذ هذا الرجل هذا القميص فأخذ القميص من عليه في مجلس قضائه. وحكي أن ابن طالب كان يمشي ذات يوم وإذا بجمال عليها حمولة قمح، فقال له بعض من كان يسايره من أصحابه: أصلحك اللّه، إن الّذي تنزل هذه على بابه في أمن من هذه المجاعة، وفارقه الرّجل فسار ابن طالب إلى داره، فوجد الحمولة على باب داره، جاء بها وكيله من أحد منازله فقال ابن طالب: احملوها إلى دار فلان، يعني الرجل الذي كان يسايره وقولوا له: قد أمنت ممّا كنت تحذر.
و حكي أنه شكى إلى ابن طالب الشريف بن الحسين: أنه زوّج ابنته وتعذّر عليه تجهيزها فدخل ابن طالب إلى زوجته وقال لها: إن ابن الحسين يدخل ابنته وليس عنده شيء فاعطني حليّ ابنتك وكسوتها ندفعها إليه وإنّا نعوّضك ونعوّضها ففعلت.
و شكى إليه رجل أنّه يريد أن يزوّج ولده فأعطاه ثلاثين دينارا. وروى أبو العرب بن تميم عن ابن عياش قال: ركبت معه من القصر القديم يريد العتابية في أثر سماء من الليل وهو على حمار مصري، فعرض له ماء مستنقع فأتى غلام خماسي راعي غنم فأخذ بلجام دابّته وجوّزه الماء، فنزل ابن طالب في مسجد وقال للغلام: اذهب فأت بمولاك، فجاء به فقل له: بكم اشتريت هذا الغلام؟ فقال: بعشرة دنانير، قال: هذه عشرة دنانير وأعتقه وولاؤه لك. قال: نعم فدعا بصحيفة فكتب فيها عتقه وقال له:
لا تقطعنا فإنّا نرفقك وفرض له دينارا في كل سنة.