فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 86
أمر أبرم، فلمّا خرج من الصّلاة جمع أمناء البلد، فكلّموا الأمير في ذلك، فخرج لهم الحاجب وقال: أ لا تستحيون؟ أراد الأمير أن ينوّه بابن عمه، فتعارضونه فانصرفوا وولي القضاء بعد بالقيروان مرّتين لما عزل سليمان بن عمران أول مرة وولي هو ولّاه إبراهيم بن أحمد بن الأغلب، وعظم قدره سنة سبع وخمسين [و مائتين] فلما رأى إبراهيم ميل الناس إليه ومحبتهم له، غار إبراهيم منه وخشي على ملكه منه لكونه ابن عمه، فرأى إماتة اسمه بعزله فعزله عام تسعة وخمسين [و مائتين] وردّ سليمان بن عمران، فلما هاج سليمان عزله وردّ ابن طالب وذلك سنة تسع وستين [و مائتين] ، وعزله سنة خمس وسبعين [و مائتين] وامتحنه كما سيأتي. قال ابن طالب: كنت نائما في وقت القائلة فقمت من نومي، فأنكرت ذلك وعلمت أنّه لأمر حدث، فقيل لي: رسول الحاجب بالباب فخرجت في ثوب البيت، فقال لي [رسول] (1) الحاجب: الأمير يدعوك الساعة فقلت: أدخل فألبس ثيابي، فقال: لا، فساءني ذلك، فدعوت بثيابي فلبستها وسرت حتى وصلت إلى إبراهيم بن أحمد، فوجدته وبين يديه السّيف مسلولا فسلّمت فردّ عليّ فسكن روعي لردّه فقال: عزمت على توليتك القضاء، فأبيت فمدّ يده إلى السّيف فقال: إن شئت القضاء، وإن شئت هذا؟ فقلت: تأذن لي في صلاة ركعتين أدعو وأستخير؟ فصلّيتهما يعني بعد وضوئه، واجتهدت في الدّعاء والخيرة فلمّا سلّمت قال: ما الذي ظهر لك؟ فقلت: أبقى اللّه الأمير تقدمت لي أيمان، فتأذن لي في الانصراف، حتى انظر فيها ثم أعود الساعة.
فقال: افعل، وكان حلف بجميع الأيمان قبل هذا أن لا يلي القضاء أبدا، فخرج فخالع زوجته، وباع عبيده وتصدّق بماله، وأخرجه من ملكه ثم رجع فقبل، وكتب له عهده وأمر له بصلة وكسوة. قال ابن طالب: ولما كنت دخلت عليه في المرتين ما رفع إليّ أحد رأسا فلما وليت وخرجت وجدت أهل الأرض ينتظروني على الباب! فعلمت هوى الناس للدنيا وسياق الكلام يقتضي أنّه بعد توليته القضاء ردّ زوجته وماله. وكان شيخنا أبو الفضل أبو القاسم بن أحمد البرزلي ينقله كذلك. وهذا من ابن طالب يقتضي أن التمادي على القضاء ليس بإنشاء، وأما على القول بأنّ التّمادي كالإنشاء فإنّه يحنث، وهذا بناء على ما فعله، وإلّا فهو مكره لا يحتاج إلى ما فعل واللّه تعالى أعلم؛ لأنّه لا خلاف أن الخوف على النفس إكراه، وإنما الخلاف في
(1) زيادة يقتضيها السياق.