فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 43

محطّ أثقال الجيش، وقيل: هي الجيش نفسه والمعنى متقارب. فاتفق رأيه ورأي أصحابه ومن معه على ذلك وقالوا: نريد أن نقرّبها من البحر ليجتمع لأهلها الجهاد والرّباط فقال لهم عقبة رضي اللّه تعالى عنه: إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية فيهلكها صاحب البحر، لكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا تقصر فيه الصلاة فأهلها مرابطون.

قلت: وقال عقبة: إن هؤلاء عسكر معقود للجهاد إلى آخر الدهر ميّتهم في الجنة ومن كان قريبا من البحر فهو حرس لهم، وإنما خصّ صاحب القسطنطينية لكونه كان العدو الكبير واللّه أعلم. وكلامهم نصّ في أن الرباط يحصل بسكنى الأهل، ونصوص الفقهاء: أنّ الرّباط إنّما يحصل لمن خرج عن أهله وسكن بالسّواحل. وأما من استوطن بها فلا يحصل له فضل الرّباط فانظر ذلك.

قال: فلما اتّفق رأيهم على ذلك، قال لهم عقبة: قرّبوها من السّبخة (1) فإن أكثر دوابّهم الإبل، فتكون إبلنا على أبواب مصرنا في مراعيها آمنة من غارة (2) البربر والنصارى، فأجابوه إلى ذلك. فروى عبد اللّه بن وهب (3) عن ابن لهيعة (4) أن عقبة بن نافع وقف على وادي القيروان وقال: «يا أهل الوادي اظعنوا فإنا نازلون وإنّا من وجدناه قتلناه» . قال الرّاوي: فرأينا الحيّات تخرجن من جحرهنّ هوارب حتى أوجعهنّ حرّ الشّمس، فلما لم يروا منها شيئا نزلوا الوادي.

قلت: ذكره غيره بأبسط من هذا وهو أن السّبع يخرج إليهم من الغيظة وهو يحمل أشباله، والذئب يحمل أجراءه، والحية تحمل أولادها، والعقارب تدبّ دبيبا هاربة سمعا وطاعة لرب العالمين، ونادى عقبة (5) في عسكره كفوا عنهم حتى يرحلوا

(1) السّبخة: الأرض المالحة، لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. انظر مادة «سبخ» في كتاب: لسان العرب لابن منظور 3/ 24.

(2) في ط: غازية. وفي ت: غارية.

(3) عبد اللّه بن وهب بن مسلم القرشي أبو محمد مصري فقيه متفق على توثيقه، توفي بمصر سنة 197 ه/ 812 م. ترجم له في تاريخ الثقات للعجلي ص: 283، تهذيب التهذيب 6/ 71.

(4) هو عبد اللّه بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء، ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري صدوق اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك، وابن وهب عنه أعدل من غيرهما مات سنة 174 ه ترجم له في: التاريخ الصغير 2/ 207، والتاريخ الكبير 5/ 182، التهذيب 5/ 373، والتقريب 1/ 526 رقم 3574.

(5) سقط اسم عقبة من: ط. الزيادة من: ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت