معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 99
مضيت ليلة من ليالي رمضان إلى مسجد عبد الجبار، لأصلي خلفه التّراويح، فصليت معه صلاة العشاء الأخيرة، فلما فرغ من الصّلاة تنفّل الناس ما شاء اللّه تعالى أن يتنفّلوا، ثم قام المؤذّن فقال: الصّلاة يرحمكم اللّه. فقام النّاس ودخل عبد الجبار المحراب فقرأ في الترويحة الأولى «البقرة» ، و «آل عمران» ، و «النساء» ، و «المائدة» ، فلما قضاها انصرف كثير من النّاس، ثم قام في الترويحة الثانية فقرأ: الأنعام، والأعراف، والأنفال وبراءة فلعهدي برءوس الرّجال (1) أراها في ضوء القناديل تتمايل يمينا وشمالا، ثم تمادى في الصّلاة فكان يمرّ في القراءة مرّ الجواد فإذا اشتبه عليه الحرف أو تعايا فيه، تركه وقرأ ما يليه، فيقرأ العشرين آية والثلاثين آية والأقل والأكثر، ثم يتفكر في ذلك الحرف فيرجع إليه فيقرأه مفردا، ثم يعود إلى الموضع الّذي كان فيه فيقرأ منه، قال: فما زال كذلك حتى تراجع النّاس إلى المسجد من آخر اللّيل وتمادى حتى ختم القرآن وأتاه مؤذنه بقصعة فيها شيء من ثريد يسير فتسحر منه، ثم أذّن المؤذّن وطلع الفجر فصلّى بهم الصّبح. قال عبد اللّه بن هاشم [فجاهدت] (2) نفسي أن أقدر على ما قدر عليه عبد الجبار من مجاوزته الموضع الذي أشكل عليه ورجوعه إليه بعد ذلك ببرهة ورجوعه إلى الموضع الّذي كان فيه، فما قدرت على ذلك إلا بعد ثلاثين سنة (3) .
قال: وختم في مسجده نيّفا وأربعة آلاف ختمة.
قلت: في كلامه بتر لزيادة التّجيبي في الفريضة ولذا قال غيرهما: ختم في مسجده ثلاثين ألف ختمة، وكان يختم فيه كل ليلة ختمة (4) . قال المالكي: حدّث هاشم المذكور قال: خرج عبد الجبار من داره يوم الجمعة للرّواح إلى صلاة الجمعة فإذا شابّ جميل له هيئة حسنة ولباس جميل، وقد أتبع صبيّة يمشي خلفها فلما رأى (5) عبد الجبار شقّ عليه ذلك، فاتّكأ برجله على رجله الأخرى فقطع شسع نعله
(1) في الرياض: الناس 1/ 464.
(2) في الأصل: فجاهرت. التصويب من الرياض: 1/ 464.
(3) الرياض: 1/ 464 - 465.
(4) الرياض: 1/ 470 وفيه زيادة: «وجد ذلك مكتوبا في قبلة مسجده» .
(5) في الرياض: رآه 1/ 465.