فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 117

الأغلب ملوك إفريقية، فكان شديد المجون، لم يكن في زمانه أكثر مجونا منه، إلى أن تاب وارعوى، وتجرّد من الدنيا وزهد فيما يفنى، ثم جدّ واجتهد حتى كان من كبار العباد وأفاضل الزهّاد، وأربى على أهله الجدّ والاجتهاد، وكان سبب توبته أنه كان مفتونا بالنساء، فكان يحضر الأعراس والمآتم بزيّ النّساء، فحضر يوما عرسا لبعض ملوك الأغالبة، مع جملة من جواريه على شكل النّساء، فلما جلس بينهنّ، ضاعت درّة نفيسة في دار العرس، فغلقوا الأبواب ووقع التفتيش في النّساء واحدة بعد واحدة، حتى لم يبق في الدّار إلّا هو وامرأة، فلما خشي الفضيحة قال: إلهي لئن سترتني هذه المرّة ولم تفضحني لأتوبنّ ثم لا أعود، وكان قد تاب قبلها نحو السبعين مرة ثم نكث فلما علم اللّه منه الصّدق نادى مناد من الدار: خلّوا عن الحرّة فإنّا قد وجدنا الدّرّة. فخرج من الموضع إلى داره وقد حصل في نفسه ما حصل من التوبة النّصوح، فرفض المال، والأهل، والولد، والوطن، وخرج فارّا بنفسه فلحق ببعض حصون إفريقية فصحب بها أبا هارون الأندلسي وكان أبو هارون الأندلسي زاهدا متبتّلا، فانتفع بصحبته ولازمه حتى مات.

قلت: المراد بالدّرّة الياقوتة وقيل الذي ضاع إنما هو حليّ لبعض أهل تلك الدار وإنهم أمروا بالباب أن يغلق عليهم وفتّشوا النّساء فكل امرأة لا يجدوا عندها شيئا أخرجوها، قال أبو عقال: وتبت إلى اللّه عزّ وجلّ وتمادوا حتى لم يبق إلا أنا وامرأة واحدة وهي ترادفني وتريد أن تكون ورائي وأنا أنفعها إليهم، إلى أن أخذوها فوجدوا الحلي معها فقالوا لي: انصرفي يا هذه المرأة فأزلت الخفّ والمعجر (1) والرّداء التي كانت عليّ من زيّ النساء وتماديت على التوبة. وما ذكر أنّه تاب نحو السبعين مرة خلاف قول غيره، تاب قبلها سبع عشرة مرة وأراد ببعض حصون إفريقية بعض محارس مدينة صفاقس كما صرح به غيره.

قال: روي أنّه لما اجتمع بأبي هارون وتعبد معه، جدّ أبو عقال في العبادة وزاد على أبي هارون، فخطر في نفس أبي عقال أن له شفوفا (2) على أبي هارون في المجاهرة فرأى في المنام كأن قائلا يقول له: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ

(1) المعجر: ثوب تعتجر به المرأة، أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة، وهو ضرب من ثياب اليمن. لسان العرب لابن منظور مادة «عجر» 4/ 544.

(2) شفّ، شفوفا: رقة الجسم ونحوله وضعفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت