معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 118
نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً [الجاثية: 21] . فاستيقظ فزعا وعلم أن المراد بذلك، لما خطر في نفسه فقال لأبي هارون: سألتك باللّه هل أتيت كبيرة قطّ؟
فقال: لا يا ابن أخي ولا صغيرة عن تعمد والحمد للّه.
قلت: وهذا أخصّ من نقل المالكي حيث قال: قلت: يا سيدي هل تعلّقت من الدنيا بذنب أو معصية فقال: لا واللّه يا أبا عقال ما حللت ثوبي على معصية قطّ، ولا أكلت مال يتيم، ولا شهدت بغير الحق فاسأل اللّه يا أبا عقال أن يعفو عنّا وعنك، وأن يدخلنا الجنة برحمته. فأخبرته بالرؤيا فبكى وقال: يا ابن غلبون هذه من أكبر النّعم.
قال: ثم رحل أبو عقال من القيروان إلى المشرق مع أبي هارون وكانت له هناك رياضات وسياحات، ثم لازم الحرم إلى أن مات. ولما علمت أخته بموته، رحلت إلى مكّة فزارت قبره، وكتبت عليه هذه الأبيات:
ليت شعري ما الذي عاينته ... بعد طول الصّوم مع نفي الوسن (1)
مع غروب (2) النفس عن أوطانها ... [و التّخلّي عن حبيب] (3) وسكن
يا شقيقا (4) ليس في (5) وجدي به ... غلة (6) تمنعني من أن أجن
و كما تبلى وجوه في الثّرى ... فكذا يبلى عليهنّ الحزن
و كانت أخته شاعرة.
قلت: ظاهر كلامه أنّ أخته لم ترحل إليه في حياته، وهو خلاف قول المالكي قيل: إنها كتبت إليه من القيروان كتبا كثيرة ترغب إليه في الرجوع إلى المغرب لتجتمع معه وتسرّ برؤيته قبل أن يفرق الموت بينهما، فكل كتاب يصل إليه منها ألقاه من يده ولم يقرأه، فلما طال عليها وصّت له بغير كتاب بحقّ الثّدي الذي رضعته معك إلّا أريتني وجهك قبل فراق الدّنيا، ما لك في حال صباك وجناياتك وكثرة ما
(1) الوسن: ثقلة النوم. والوسن أيضا: الحاجة.
(2) في الرياض: مع نزوح 1/ 538.
(3) ما بين المعقوفتين في الرياض: «من نعيم وحميم» 1/ 538.
(4) في الرياض: وحيدا 1/ 538.
(5) في الرياض: من.
(6) في الرياض: لوعة 1/ 538.