معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 119
يطرأ علينا (1) بسببك كنت عندنا وحين صرنا نفخر (2) بك ونتبرك برؤيتك فارقتنا؟
فقال لرسولها قل لها ما كنت لأدع بلدا عرفت اللّه فيه وأمضي إلى بلد عصيت اللّه فيه أخشى أن تقضى (3) العوائد، ثم قدمت عليه أخته بعد ذلك من المغرب وأقامت معه بمكة، حتى مات (4) رحمة اللّه تعالى عليه. وقيل إنها لما قدمت عليه قال لها:
يا أخت، إنّ هذا بلد شديد العيش وليس تمكنك الأشياء فيه (5) كما كانت تمكنك بإفريقية، وأنت قد تعودت (6) بإفريقية العيش الرغد والطعام الطيب. فقالت له: إذا لم أجد شيئا أخذت القربة وحملت على ظهري الماء، وسقيت مع السقايا (7) ، ثم إنها أقامت معه ما شاء اللّه بمكة تتعبد وكانت مجتهدة وتوفيت بها.
قال: ولأبي عقال أشعار في الزهد منها قوله عند توبته:
أبصر بالقلب سبيل الرّشد ... فباين الأهل معا والولد
وجد في السير إلى ربّه ... مشمّرا يطلب ملك الأبد
قد صارت الدنيا بأقطارها ... عليه كالسّجن فمنها شرد
قلت: ومن قوله رحمة اللّه تعالى عليه:
لئن غرب (8) الإخوان عنّي نزاهة ... وخلّفني عنهم نصيبي من الفقر
لقد سرّني أنّي خليّ من الّذي ... أضاعوه من حقّي ولو كنت في الأسر
و لو كنت في الدنيا على مثل حالهم ... أبحتهم رحلي وعدت إلى طمري
فما لي إلى خلق سوى اللّه حاجة ... ولكنّه شيء يحادثه (9) فكري
أ أبكي (10) على الدنيا إذ ما تعذرت ... وأوثر بالموجود منها على الضّرّ
سأرعى لهم ما هان منّي عليهم ... وأحمل نفسي في الجفاء على الصّبر
عليهم سلام اللّه منّي رسالة ... مقسّمة بين التّواصل والهجر
(1) في ط: عيلنا، التصويب من: الرياض، وهو تحريف لكلمة: «علينا» .
(2) في الرياض: نفتخر 1/ 537.
(3) في الرياض: تقتضيني 1/ 537.
(4) في الرياض: ماتت 1/ 537.
(5) في الرياض: به 1/ 538.
(6) في الرياض: تعلمت 1/ 538.
(7) في الرياض: السقايات 1/ 538.
(8) في الرياض: عزف.
(9) في الرياض: تجاذبه 1/ 542.
(10) في الرياض: أتيه 1/ 542.