معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 125
هذا رجل من ملوك المغرب طلّق الدّنيا وبقي في قلبه حب النساء، فقالت: أنا أتزوجه فأرسلت إليه فقال لها: لا أتزوجك حتى تتركي الدنيا بحيث لا يبقى معك منها شيء مثلي فأخبروها، فتصدقت بما معها وتزوجت أبا عقال. قال: فأقام معها حتى توفي فدفنا جميعا بمكّة أبو عقال وزوجته الخراسانية» (1) . وروي أنّ أبا عقال قال لأبي هارون الأندلسي وهما بمكة: أحبّ أن آكل من عمل يدي، اشتري لي قربة أعمل بها الماء فقال له: ويحك، اقعد واقنع بما أعطاك اللّه ولا تسأل عن هذا. فقال له أبو عقال: لا بد من هذا، فاشترى له قربة فملأها وحملها على كتفه ومشى بها حتى يبيعها فلقيه أبو سعيد الإسكاف فقال له: ما هذا يا أبا عقال؟ قال له: ما ترى، فقال له أبو سعيد: أبى العارفون أن يكون في قلوبهم غير اللّه. قال:
فوقعت الكلمة في قلب أبي عقال فحار ومشى فعثر فطار ظفره وسقطت القربة فانشقت فرجع إلى أبي هارون بعد ما أفاق والقربة مقطوعة ودمه يجري فقال له: ما هذا يا أبا عقال فأخبره بما جرى عليه فقال له: قد نصحتك فلم تقبل. وقال أبو الحسن علي بن عبد اللّه القطان المتعبد: كان أبو هارون يكسو أبا عقال الثياب، فإذا انصرف أبو عقال فرأى من الضّعفاء من هو أحوج منه، يرق عليه فيؤثره بما عليه من الثياب بما أمكنه فلا يزال يعطي ما عليه حتى يبقى عريانا، فيأتي أبا هارون فيجدد له كسوة فيمضي أيضا فيؤثر بها الفقراء، ويأتي إلى أبي هارون عريانا فيكسوه، فكان هذا دأبه (2) ، فطال على أبي هارون هذا الأمر فقال له: يا ميشوم حيّرتني، يا ميشوم أتعبتني فيقول له أبو عقال: دعني يا أبا هارون ما رأيت في معاملة اللّه عزّ وجل إلا خيرا فيمسك أبو هارون ويعود إلى ما عوده من الكسوة رحمة اللّه عليهما، وقال أبو بكر بن سعدون: رأيت أبا عقال يسقي الماء في مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما وعليه مرقّعات صوف وعلى خلفه قربة وبيده ركوة يسقي بها الماء، فأعطيته مائة درهم وثوبين من ثيابي. قال: فأصبحت من الغد فرأيته كما كان، فقلت له يا سيدي أبا عقال قد عرفت ورعي وإنما أعطيتك ثيابي التي ألبسها ودراهم حلالا فقال يا ابن مسعود إني عاهدت اللّه أن لا تبيت معي بيضاء ولا
(1) الرياض: 1/ 535.
(2) دأبه: عادته.