فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 181

يناظرهم في قضيّتهما. وكان رحمه اللّه لا يهاب سلطانا ولا غيره في حق. وقيل: إنّ عامل القيروان قتل إنسانا بغير حقّ، فكتب إليه حمّاس يعظه في سفك الدّماء فأنف، وقال: ما لحمّاس وهذا؟ أنا سلطان انظر في الدّماء وشبهها، فتوجه حماس إلى تونس لزيادة اللّه بن الأغلب واجتمع به، فعزل العامل المذكور، وانصرف حمّاسا مكرّما وعزل نفسه رحمه اللّه باستعفائه لمّا تغيّرت الأحوال، وسبب ذلك أن ابن الصّائغ صاحب البديل، وكبير دولة زيادة اللّه سعى بالكلام في حمّاس عنده لمخالفته المذهب، وأنه كان لا يدخل تحت طوعه ويبدأ باسمه عليه إذا خاطبه، فولّى زيادة اللّه محمد بن أحمد بن جمال من أهل العراق القضاء معه، ورفع من شأنه، ونادى مناديه إذا تداعيا الخصمان إليه وإلى حمّاس، صارا إليه دون حمّاس، فلما رأى حمّاس ذلك رفع ديوانه ومضى إلى رقّادة فأقام بجامعها ستة أشهر يطلب المعافاة، فقيل له: ليس لك إلا ابن الصّائغ الذي سعى عليك، وقصده فلما دخل عليه قام ابن الصّائغ إليه وسأله عن حاله، فذكر أنه يرغب في المعافاة، فسعى له عند زيادة اللّه في ذلك وقال له: قد خيّرتك إن أحببت أن تكون قاضيا كما كنت، وإن أحببت المعافاة عافيناك؟ فقال له: المعافاة أحبّ إليّ. فعافاه وكتب له سجلّا بخطه بمعافاته.

قلت: إنما اختار المعافاة لوجهين.

أحدهما: أنه كان لا يأخذ على قضائه أجرا على ما يظهر من سيرته فهو يتعب بلا فائدة دنيويّة.

الثاني: سياق الكلام يقتضي أنه فهم أن غرض الأمير في عزله، وعلم أنه إن تقدّم أنه لا ينصلح الحال كما كان أوّلا، فنعم ما فعل، والّذي يعلم في زماننا أنّا نقف في الحق ونذبّ على الرعية في مسائل الشّرعيّات خوفا من النّار، فيكتب القوّاد إلى السّلطان نصره اللّه تعالى بالكلام الباطل، وربما يكتب بذلك، أو يباشر الكلام من سوى بينه وبين غيره، وحكمت عليه كغيره بأدب أو غيره، حتى يقع التّمويه فيشكّ في صدق كلام المشتكي أو يغلب على ظنه صدقه فيعزل من يعزل بسبب ذلك. ومن فضل سلطان وقتنا أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز ابن أمير المؤمنين أبي العباس أحمد أنه يعرض عن كلامهم في الأغلب، فإذا كثر الكلام يشاور قاضي الجماعة وهو شيخنا أبو مهدي عيسى بن أحمد الغبريني ويكلمه بكلام ليّن يقول له:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت