فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 191

بكى حتى تخضل لحيته وذهب معها ليرى منزلها فيبعث إليها من القمح والزيت ما يقوم بها، ويشتري لها من الكتّان ما يراه صلاحا لها. وكان يخرج في الشتاء فيقف كلّ يوم على باب من أبواب المدينة فإذا بصر بشيخ أو شاب، خرج في الرّيح والبرد والمطر بحبل يحتطب أو يحشّ. قال له: ارجع من هذا البرد وهذه نفقتك ونفقة عيالك (1) . وكان يمشي في الأسواق على الباعة فيجلس عند الرّجل الضعيف فيقول له: نعطيك دراهم تجعلها رأس مالك فإذا ربحت ترد إلي الدراهم فيدفع إليه ما يراه ثم يقوم فلا يعود إليه.

قلت: عزّى التّجيبي هذا لنقل الزعفراني أيضا.

قال: وقال أبو بكر بن أبي عقبة الفقيه: باع هاشم مطمرا شعيرا زهاء مائتي قفيز، ثم أخذ المال وركب دابّته، فكان يدخل من باب أبي الربيع ويعطى، ويدخل من باب سوق الأحد، ويعطي ويمشي في الشارع، ويعطي ويدخل من باب سلم، ويعطي حتى نفد ثمن الشعير، فتعرض له شيخ وقال: تصدّق علي فنفض له الخريطة فوقع منها نصف درهم وثمن، فدفع ذلك إليه فلما كان الليل وقف به شخص فقال؛ رحمك اللّه ما الذي أعطيت الشيخ؟.

قلت: قال المالكي: «و يروى أن أهل السّجن بعثوا إليه يذكرون ما هم فيه من ضيق الحال، ولم يكن عنده شيء إلّا مهراس نحاس من تركة أبيه، فباعه بثلاثة دنانير، وأخذ بها قمحا، وجعله خبزا وبعث به إليهم وجعل ثواب ذلك لأبيه، فرآه في المنام فقال له: جزاك اللّه عنّي خيرا يا بنيّ أفضل ما جازى ولدا عن والده، فقد كانت بين يدي عقبات عظيمة أعنتني على جواز أعظمها بثمن ذلك المهراس» (2) .

و يروى أنه كان عنده ألف دينار فتصدّق بها حتى لم يبق منها إلا خمسة دنانير، ثم إنّه اتّجر بها إلى أن عادت ألفا، وخرّج عنها ثانيا، ثم ثالثا قال: فعلمت أنّ اللّه أوقفني لعباده فأنا أدفع ولا أتوقّف (3) .

قال: وكان له في كل شهر رمضان تسعون ختمة في ليله ونهاره، وأمّا في سائر الأيّام فكان له في كلّ يوم وليلة ختمتان على أنه يتصرّف في حوائجه وضيعته.

(1) الخبر في الرياض: 2/ 147.

(2) الخبر في الرياض بصيغة مختلفة 2/ 148 - 149.

(3) الخبر في الرياض 2/ 148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت