فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 2، ص: 198

نهار ذلك اليوم حتى قتل فكأنه جزع، فقيل له: تكره القدوم على اللّه فوثب كأنه حلّ من عقال يقول: لبّيك لبّيك حتى ضربت عنقه. وقال المالكي: «قتلا (1) بالرماح وصلبا برملة المهدية» .

قلت: وقال بعضهم: كان أبو عبد اللّه محمد السّدري (2) هذا فقيها ناسكا زاهدا عابدا من العباد الزاهدين، المريدين العاملين، الخائفين الوجلين، المتوكلين الصائمين، القائمين القانتين السائحين، ساح في البلدان وتغرّب عن الأوطان، وحجّ حججا كثيرة، وجاور وأقام بالمشرق سنين عديدة، بعد أن أقام بالمغرب مدة. روى عن أبي القاسم الحسن بن مفرج المذكور أنه قال: صحبت أبا عبد اللّه السدري طويلا بالمشرق فانتهت صحبتي معه إلى أن صعدنا الطور، فلما انتهينا إلى الموضع الذي قيل إن اللّه كلم فيه موسى عليه الصلاة والسلام خرّ صعقا فاستعنت ببعض من كان بالموضع على حمله وإنزاله فأقام مغشيا عليه باقي يومه وليلته. قال: ثم دخلنا إلى الموضع الذي يقال: إن الشجرة التي سمع موسى الكلام من ناحيتها كانت فيه وقد بنيت عليه بيت وله حفظة وقوام فلما دخل أبو عبد اللّه السدري الموضع بقي مبهوتا كالولهان، لا يطيق كلاما ولا يرد جوابا. وروي عنه أنه رضي اللّه تعالى عنه كان في السّياحة مع أصحابه فنزلوا على رجل فأتاهم بكنافة فمدّ السّدري يده ليأكل مع أصحابه ثم نصبها قبل أن يمس الطعام، وقال لأصحابه: «كلوا رحمكم اللّه تعالى. فقالوا له: وكل أنت معنا، فقال لهم: كما أقول لكم فلست آكل شيئا منها، فقالوا: ولم؟ فقال: غلبت علي شهوة نفسي فمددت يدي ولم أذكر ربي عزّ وجل. قال المالكي وروى عن أبي بكر بن شراحيل الصدفي أنه قال: «صحبت أبا عبد اللّه السدري في طريق الجزيرة حتى انتهينا إلى شجرة لها ظل فوقف السدري يصلّي تحت الشجرة، واضطجعت إلى جنبه فأقبل سبع فقلت له: أصلحك اللّه سبع جاءنا فأقبل على صلاته ولم يشتغل بكلامي، والسبع يقرب منا فلما رأيته لم يشتغل

(1) الذي قتل معه في ذلك اليوم هو: أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه السدري قتلا جميعا بالرماح وصلّبا. الرياض: 2/ 166.

(2) انظر ترجمة محمد السدري في الرياض: 2/ 166 - 175.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت