فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 24
قلت: وكثير ما يجري مثل هذا في مدة قضائي؛ تضيق نفسي من لزوم الدار، فربما أجلس فوق دكّانة العلو، قريب باب الدار فأرى بعض من هو راكب ينزل، وبعضهم يرجع، وبعضهم يجوز على حاله وهو محتشم، فأقوم من مكاني ذلك وأدخل الدار. قال أبو بكر المالكي: «قال أبو بكر بن اللّبّاد يوما لبعض أصحابه:
أدركت رجالا بالقيروان املياء افتقروا ما دخلوا فتنا ولا أغرمهم سلطان (1) ، إلا اتجروا في الحنطة (2) في أيام الشدائد» (3) .
قلت: يريد أنهم اشتروا الطعام في الرّخاء ليبيعوه في أيام الشّدائد؛ وهذا مجرّب حتى في زماننا، حتى أن النّاس يقولون على طريق المبالغة: «ما احتكر أحد طعاما إلا مات فقيرا» . وسببه أنه يتمنى غلاء الطعام الذي فيه حياة الأنفس لأمة النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولذلك منعة مطرف، وابن الماجشون وغيرهما؛ وأجازه مالك في المدونة وعليه العمل قال أبو الحسن اللخمي: وفيه مرتفق وقت الشدائد، ولولاه لم يجد الناس عيشا في الشّدّة ولو قيل: إنه مستحسن لم أعبه، ولا خصوصية للحنطة، وفي المسألة غير هذا وقد ذكرناه في شرح التهذيب (4) .
قال: قال أبو الحسن علي بن عبد اللّه القطّان المعروف بابن الحلّاف، اجتمعت إليّ جماعة في حانوتي بالقطّانين، بعد وفاة والدي يقسمون قطنا بينهم.
فنفضت الموضع الذي قسموا فيه القطن، فاجتمع فيه من القطن نحو وزن أربعة دراهم، فذهبت إلى أبي بكر محمد بن اللّبّاد فسألته ما الذي أصنع بالقطن؟ فانتهرني وقال: يا هذا سل عن وضوئك وصلاتك ودينك، فإن هذا وسواس! قال أبو الحسن: فضاق صدري ولم أطق صبرا فغلبني البكاء والعبرة، فوثب إلي وجذبني إلى نفسه، وقبّل بين عيني وقال: أحسنت يا بني ما عرفتك، فقد قيل: «حاسبوا أنفسكم
(1) في الرياض زيادة: «مالا ولكنهم» 2/ 292.
(2) لفظة: الحنطة لغة كوفيّة، والقمح لغة شامية، وأفصح كلمة منها هو لغة: «البرّ» فهي أفصح لغة من قال: «قمح أو حنطة» . وفي رواية قالت عائشة رضي اللّه عنها: «ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من هذه البرّة السّمراء حتى فارق الدّنيا» . وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه: «أ ترون إنّي لا أعرف رقيق العيش؟ لباب البرّ بصغار المعزى» للمزيد انظر البيان والتبيين للجاحظ 1/ 17 - 18.
(3) الرياض: 2/ 292.
(4) المراد به شرح تهذيب المدونة للبراذعي حكى فيه عمل أهل بلاد تونس.