فهرس الكتاب

الصفحة 490 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 23

ذكر جملة من أخباره

روي أنه دعا على ثلاثة فأجيب دعاءه فيهم؛ دعا على واحد منهم بالجنون، وعلى الآخر بالعمى، وعلى الآخر بالجلاء. فجنّ الأول، وعمي الثاني، ومات الثالث في بلاد السودان (1) . ودخل على عبيد اللّه صاحب إفريقية فأقبل عليه وقال:

يا محمد أنت ملاذ بلدك في كم من العيال أنت؟ فأخبره فقال: نفرض لك في بيت المال ما يكفيك من النفقة والكسوة وغيرهما فقال: قبلت ولكن اترك ذلك في بيت المال حتى نحتاج إليه.

قلت: هذه مسايسة حسنة، ومحاولة برفق، إذ هو خير من ردّه بلا محاولة.

قال: «و حكي أنّه شاور رجل ابنته بشوار كثير، فعجب الناس منه، وحضر أبو بكر بن اللّبّاد فانصرف النّاس يهنئون صاحب الشوار، فقال له أبو بكر: لا خلف واللّه عليك بخير فقد أكمدت جارك، وأعضلت ابنته، وخالفت سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم تسليما» (2) .

قلت: المنقول فيها عن ابن إدريس بلفظ حسن عجيب كثير؛ وهذا أخص من اللّفظ الذي نقل الشيخ بأنه قد يكون كثيرا ولا يكون حسنا ولا عجيبا، كما إذا كانت حوائج قديمة ورفع لعبيد اللّه إلى المهدية ليوليه قضاء صقلية، فاعتذر وقال:

صرت في حدّ لو كنت على القضاء لوجب إلّا إليّ، فكيف ابتدائي وقد كبر سنّي، ودخلتني زمانة فأعفاه. وهذا أيضا من لطائف شمائله وإلا فالشّيخ الكبير هو أولى بالقضاء ممن هو دونه، لأنه يعلم من نفسه أنه ما بقي إلا على شفا حفرة، فيكون الخوف عليه أغلب. وقال ابن إدريس: كنت يوما جالسا معه على باب داره إذ خرج من جيرانه رجل ولم يسلم عليه فجعلت انظر إليه فقال لي: يا أبا عبد اللّه إنّ أزهد النّاس في العالم قرابته وجيرانه. وقال مرة أخرى في مثلها: ما قرب الخير قط من قوم إلّا زهدوا فيه وذكر الأجدابي أنّ أبا بكر جلس يوما عند أبي إسماعيل المؤدّب جاره لينفرج، ويرى الناس فكان النّاس إذا جازوا من ذلك الموضع، رجعوا من طريق آخر هيبة له فقال: ما بالهم؟ فقال: من أجلك، فقال: إنما جلسنا في هذا الموضع، لنتفرج لا لنضرّ بالناس في طريقهم ثم قام.

(1) الخبر في الرياض: 2/ 284.

(2) الخبر في الرياض: 2/ 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت