معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 39
في الجامع حتى ارتجّ، ثمّ خرجوا لقتال بني عبيد وهذا يدلك على كمال عدالته، وصحّة نقله، ولو لا ذلك ما اتّفقوا بعد الاختلاف على الخروج على من ذكر، ولم يتخلف من الفقهاء والصّلحاء أحد.
قلت: قال أبو بكر المالكي: وقيل لأبي الحسن بن الحلّاف ما الذي أعاق أبا ميسرة عما فعل أصحابه؟ قال: ذهاب بصره، ولكنّه قد أخرج ابنه محمد وقال:
أدخلني اللّه في شفاعة أسود رمى على هؤلاء القوم صخرا وشهق الشّيخ أبو الحسن بالبكاء. وقيل: لأبي الحسن إن أبا سعيد بن أخي هاشم لم يخرج فقال: قد شهر أبو سعيد السيف وحمله على عاتقه مصلتا، وهذا غاية في أنه يقول بقول الشيوخ في الخروج عليهم فقال له بعض من حضر: أبو سعيد يذكر أن الجبن منعه من حضور الحرب، ولما خرج أبو العرب لقتال من ذكر، سمع النّاس منه كتابي الإمامة لمحمد بن سحنون فكان يقول: واللّه لسماع هذين الكتابين على هنا، أفضل من كلّ ما كتبت (1) .
قلت: يريد لكثرة من سمعه من الخلق الذين اجتمعوا إليه في سماع ذلك من علماء وغيرهم؛ ومن سبق له شيء في الأزل، لا بد أن يناله، فكان جدّه أبو الجهم والي إفريقية والذي نال أحسن دنيا وأخرى. قال أبو بكر المالكي وسبب طلب أبي العرب العلم وملازمته له وتركه ما كان عليه آباؤه قال: أتيت يوما وأنا حدث إلى دار محمد بن يحيى بن السلام، فرأيت عند الطّلبة ورأيت أمرا أعجبني وركنت إليه نفسي فعاودت الموضع، وكنت آتي إليه والطّرطور على رأسي، ونعلي أحمر في رجلي في زي أبناء السّلاطين، وكان الطلبة ينقبضون منّي من أجل ذلك الزّيّ، فقال لي رجل يوما بجواري: لا تتزيّ بهذا الزّيّ، فليس هو زيّ طلبة العلم، وأهله وزهدني فرجعت إلى أمّي فقلت نلبس الرداء وثيابا تشاكل لباس [أهل] (2) العلم والتجار، فأبت عليّ وقالت: إنما تكون مثل آبائك وأعمامك، فاحتلت حتى اشتريت ثيابا وجعلتها عند صبّاغ في باب أبي الربيع، فكنت إذا أتيت من القصر القديم أتيت بذلك الزّيّ الذي تحبّ أمّي ووالدي، فإذا وصلت إلى باب أبي الرّبيع ودخلت حانوت الصّبّاغ خلعتها ولبست الثّياب الأخر، فكنت كلما تردّدت فعلت ذلك، ثم
(1) الرياض بصيغة مختلفة بعض الشيء 2/ 310.
(2) سقط من: ت.