فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 70
و اللّه لا ظننت بالشيخ سوءا أبدا، فقال: «إلّا من تاب وآمن وعمل صالحا ثمّ اهتدى» (1) .
قلت: في كلامه بتر لأن السّبائي ما أجابه أولا لما وقع في خاطره ما وقع، حتى حوّل وجهه إليه وقال: يا أبا الحسن ما أرى دخول من يدخل إلا كدخولهم إلى المسجد، يصلّون ويخرجون، ثم عاوده ذلك الخاطر. وقال: يا أبا الحسن، ما كان ذلك إلا مرّة واحدة، فتحويل وجهه إليه ومناداته بكنيته، أخصّ من ترك ذلك.
قال: وقال أبو محمد بن أبي زيد: كنّا إذا أردنا الدخول إلى أبي إسحاق السّبائي يقول بعضنا لبعض: تعالوا نجدّد توبة قبل الدخول إليه خوفا أن ينطقه اللّه علينا.
قلت: ودخل عليه رجل في جملة الناس من المشارقة، فلما دخل وسلّم رفع الشّيخ رأسه وقد احمرّ وجهه وقام شعره وقال: الشيطان في داري ثلاث مرات ففرّ المشرقيّ.
ذكر عبادته رضي اللّه تعالى عنه
قال: قال أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر ابن أخي مروان: أقام الشّيخ أبو إسحاق ثلاثين سنة يصلّي الصّبح بوضوء العتمة (2) ، وكنّا نأتي إلى المسجد الذي عند داره فنجده وقد أربد وجهه من القيام؛ وقال أبو محمد بن أبي زيد: دخلنا على أبي إسحاق وهو يتوضأ فسلّمنا عليه ودخلنا البيت، فبعد برهة دخل فسلّم علينا وجلس فقال لنا: أي وقت جئتم؟ فقلنا له: أصلحك اللّه منذ ساعة وقد سلّمنا عليك وأنت تتوضأ، فقال: واللّه ما شعرت بكم، تفكرت في الطهارة، وما خاطب اللّه به المؤمنين وإنها متصلة بالوقوف بين يديه (3) .
قلت: ودخول أبي محمد ومن معه بالإذن العادي إذ داره في بعض الأوقات كالمسجد، وأشار بقوله: وما خاطب اللّه به المؤمنين يعني بذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: 6] الآية، فكان إذا أراد أن يتوضأ
(1) مقتبس من قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (82) [طه: 82] .
(2) (*) العتمة: صلاة العشاء.
(3) الخبر ورد بصيغة مختلفة في الرياض: 2/ 474.