معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 81
أو ليس عندكم أبو الحسن؟ وددت أنّ وسادتي عتبة أبي الحسن الدباغ! ما يكلمه أحد إلّا احمرّ وجهه، ولقد كان أحي من الأبكار. وقام رجل من أهل المشرق، فسمع النّاس يقولون: أبو الحسن الدباغ الفقيه، وأبو إسحاق السّبائي العابد، فقال لهم: بل العابد أبو الحسن، والعالم النّحرير أبو إسحاق.
قال: وقال أبو الحسن بن الحلاف: يخيّل لي أنّ صاحب الشّمال (1) لا يكتب على أبي الحسن لطهارة قلبه، وعفّة بطنه، وحفظ لسانه، ورعاية جوارحه.
ذكر بقية أخباره
قال: كان أبو الحسن قد ورث مالا حلالا؛ فأقام نفسه فيه مقام الفقراء وأسوتهم، وكان يغتل في كل شهر أربعة دنانير، اثنين لصدقته، واثنين لنفقته. قال الشيخ أبو الحسن القابسي: كان لأبي الحسن الدباغ فندق له غلة كثيرة عظيمة، وكان الناس يقصدونه من كل موضع، فشرب فيه رجل مسكرا، فأخبر الشيخ بذلك، فوقع في قلبه منه أمر عظيم. وقال: عشت في الدنيا حتى يكون لي فندق يعصى اللّه فيه، وبكى بكاء عظيما. وقال للّه عليّ إن بتّ وهذا الفندق في ملكي، ووجّه في الحين رجلا وقال له: بعه ممن وجدت، فبيع في الوقت، وذكر أنّه تصدّق بجميع ثمنه ويروى أنّه أصابه في آخر عمره بلغم فكان لا يستطيع القيام على قدميه، فإن كان له حاجة حمل إليها أو زحف في البيت، فإذا توضّأ للصلاة، أخذ بيده فاستوى قائما فأحرم وقرأ (2) وركع، وسجد، ولا أحد يمسكه، ولا يستند إليه، ولا يعتمد حتى يتم الصلاة، فإذا فرغ من صلاته عاد إليه الضعف إلى وقت دخول الصلاة الآخر.
(1) المراد بصاحب الشّمال؛ هو الملك الذي يكتب سيّئات ابن آدم، وهو عكس ملك اليمن الذي يكتب الحسنات. أما قول المصنف: أنّ صاحب الشّمال لا يكتب على أبي الحسن، في هذا القول مبالغة؛ لأن العصمة من الخطايا للأنبياء وحدهم فقط، أما عداهم يصيب تارة ويخطئ أخرى؛ وفي هذا دليل من رواية أنس رضي اللّه عنه: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التّوّابون» أخرجه الدّارمي في السّنن، كتاب الرّقاق، باب في التوبة، والترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة (38) باب 49 حديث (2499) ، وابن ماجة في السنن، كتاب الزهد (37) ، باب ذكر التوبة حديث (4251) واللفظ للترمذي وابن ماجة. وقد حسنه الألباني في سنن الترمذي.
(2) زيادة من: ت.