معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 93
الدرس، وكان كثير الدّرس. ذكر أنّه درّس المدوّنة ألف مرة، وقال: قال لي أبي ذات يوم يا بني ما يكون منك لا تعرف صنعة واشتغلت بالعلماء ولا شيء عندك، فلما كانت ليلة سمعته يقول لوالدتي: عرفت اليوم أني عرفت بابني وذلك أني حضرت أملاكا في مسجد سمّاه فوجدته مملوءا بالناس ولم أجد مجلسا، فقام لي رجل من مجلسه وأجلسني فيه فسأله إنسان عني فقال له: أسكت هذا والد الشيخ أبي محمد، وقال آخر: خرج والد الشّيخ أبي محمد بن التبان يوما من مسجد السّبت فزلق في طين فبادر إليه رجل وأخذ بيده وقال لصاحبه: هذا والد الشيخ أبي محمد الفقيه، فرجع وحرّض ابنه على طلب العلم، والتزم القيام بشأنه من يومئذ.
ذكر ثناء العلماء عليه
قال: كان من العلماء الرّاسخين، والفقهاء المبرزين، ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار لعلمه، بالذّبّ على مذهب أهل السّنّة وكان فصيح اللّسان، رقيق القلب، غزير الدّمعة، وله علوم شتّى منها: علوم القرآن، والفقه، والرقائق، والنحو، واللغة، والنجوم، والطب، والشعر الرقيق، وله مع ذلك ورع شديد.
قلت: زاد غيره وكان مستجاب الدّعاء، وقال أبو العباس الأبياني: يكاد أن كل شعرة في جسده تنطق بالحكمة سيكون له في الفقه باع.
ذكر ما يدلّ على كمال فضله وورعه
قال الأجدابي: رأى أبو محمد بن التبان رب العزّة في النّوم فقال له: «يا عبدي تكون في المغرب فتن كقطع اللّيل المظلم لا ينجو منها إلّا من بسوسة والمنستير، وما والاهما، وكان إذا حدث بالقيروان أمر فرّ أبو محمد بن التّبّان إلى سوسة والمنستير حتى ينكشف ذلك الأمر، وكان يقرأ لإخوانه ميعادا في الرّقائق فقطعه أيّاما فعاتبوه في ذلك، فاعتذر فضيّقوا عليه فقال: إذا كان غد تأتوني إن شاء اللّه، فأتوه من الغد وبين يديه شيء مغطّى، فقال لهم: أكشفوه، فوجدوا طبقين صغيرين أحدهما مملوء دنانير، والآخر مملوء دراهم، فقال لهم: هذا منعني لأن من ملك من الدّنيا هذا يقبح به أن يزهد الناس فيها، فيدخل في ذم اللّه عزّ وجل:
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: 44] الآية.