معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 103
ذكر ثناء العلماء عليه
قال: كان إمام الزمان وأحد الفقهاء في عصره، وأعلمهم بمذاهب أهل المدينة، ما اختلف فيه، وما اتفق عليه، وقال أبو القاسم بن شبلون: ما أخذ على أبي سعيد مسألة واحدة خطّا قط، وذلك لعلمه باختلاف العلماء ونوازل الأحكام والقضاة مع تواضع ورقّة قلب، وسرعة دمعة، وملاحة إشارة، وتقريب معنى، وخلاص نيّة، وجميل طوية.
قلت: وقال أبو بكر المالكي: كان عارفا بعلم الفقهاء، لم يكن في زمانه أحفظ منه، اختلط علم الحلال والحرام بلحمه ودمه، وما اختلف الناس فيه وما اتفقوا عليه، حافظا بارعا فرّاجا للكرب وما ذكره من اختلاف الناس يشمل الأربعة مذاهب، وأوسع من ذلك فهو أخص مما تقدّم أولا من أعلمهم بمذاهب أهل المدينة، ومساو لما قال ابن شبلون.
قال: قال أبو محمد بن أبي زيد: سألني عبد اللّه بن محمد ابن الكاتب صاحب البلد من أفقه أصحابكم؟ فقلت: أبو سعيد ابن أخي هشام، قال: فمن أحفظكم باختلاف الناس؟ قلت: أبو سعيد ابن أخي هشام، وقال أبو محمد أيضا:
إن أبا سعيد ليس يلقى اللّه تعالى بمثقال ذرّة رياء.
قلت: قال: هذا أبو محمد المآلف أبو سعيد في أكفانه.
قال: وقيل لأبي العباس عبد اللّه بن أحمد الأبياني الفقيه من أجل من رأيت بالقيروان بعد ابن اللّبّاد وابن العسال؟ قال: دخل علي ثلاثة نفر أحدهم أكبر من الاثنين فقال: جواب هذه المسألة فظننت أنها نازلة، فأجبته عنها حتى ألقى علي نحوا من مائتي مسألة فقلت: فرغت محفوظاتك؟ قال: هكذا إلى قابل ألقي عليك من حفظي، فرأيت رجلا كالبحر الّذي لا تكدّره الدّلاء يقال له: أبو سعيد ابن أخي هشام، وأما الثاني من الاثنين فإني رأيت شابّا عاقلا كاملا فاضلا لو وزنت الجبال الرّواسي بعقله لرجحها يقال له: عبد اللّه بن أبي زيد، والثالث يقال له: عبد اللّه بن التّبّان، تكاد كل شعرة في جسده تنطق بالحكمة يكون لهما في الفقه باع.
قلت: ولما ورد دارس بن إسماعيل أبو ميمونة من مدينة فاس وعجب من حفظه، سمع أبو سعيد تقصيره بعلماء القرويين وإضافته قلة الحفظ إليهم فقال لأصحابه: اعملوا على أن تجمعوا بيني وبينه لئلا يقول: دخلت القيروان ولم أر بها