معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 104
عالما، فما زالوا حتى أتوا به إلى أبي سعيد في مجلسه فسلّم عليه فألقى عليه أبو ميمونة نحوا من أربعين مسألة من المستخرجة، والواضحة، فأجابه عنها أبو سعيد ثم ألقى عليه أبو سعيد عشر مسائل من ديوان ابن سحنون فأخطأ فيها أبو ميمونة كلها فعطف عليه أبو سعيد وقال له: لا تغفل عن الدّراسة فإني أرى لك فهما فإن واظبت كنت شيئا، فلما قام أبو ميمونة ليخرج لم يعرف الباب من الحيرة، وقال أبو العباس بن عبد اللّه الأجدابي: كان أبو سعيد من أجل من يعرف طريق الصّوفية ويحبها، وكان إذا قال: اجتمعت الأمة لم يوجد خلاف لقوله.
قال: قال أبو سعيد خلف بن تميم الهواري: سألت الشيخ أبا سعيد فقلت: ما تقول في كرامات الأولياء؟ قال: ما ينكرها إلا صاحب بدعة، قلت له: فانقلاب الأعيان؟ فقال: ما جاء من طرق صحيحة فأنا أقول به، قلت له: أيّما أفضل الفقر أو الغنى؟ فقال: اختلف النّاس في ذلك. فقلت له: أيما أفضل عندك؟ فقال: قال سحنون: «الفقر أفضل» (1) .
قلت: وذكر أنه كان يمشي مع بعض طلبته في فحوص صبرة فحضرتهم الصلاة، فأراد الشيخ الصّلاة فقال الطالب: اصبر حتى تخرج من أراضي هذه المدينة السّوء، فقال له أبو سعيد: هذا جهل منك، أي ضرر على الأرض من صلاتنا ولو لزم ترك الصلاة في الفحوص المغصوبة وجب على المصلي أن يستأذن أربابها إذا كانت غير مغصوبة. فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: قال صلّى اللّه عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدا» (2) . وأنّ الصّلاة في أرض المسلمين بغير إذنهم جائزة بلا خلاف، وقبله عيّاض، والصّواب عندي أنّه لا يصلّى في أرض بالإطلاق إذا كانت مملوكة
(1) لقد كان نبينا صلّى اللّه عليه وسلم يتعوّذ من الفقر ويعتبره آفة اجتماعية فكان من دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلّة والذّلّة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم» أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب في الاستعاذة حديث (1544) من رواية أبي هريرة واللفظ له، وأخرجه النسائي في المجتبى من السنن 8/ 261 كتاب الاستعاذة، باب الاستعاذة من القلة، وابن ماجة في السنن، كتاب الدعاء، باب ما تعوّذ منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حديث (3842) - 2/ 1263، والحاكم في مستدركه، كتاب الدعاء، باب التعوذ من زوال النعمة ... وقال: صحيح الإسناد 1/ 531.
(2) مطلع الحديث: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا طهورا ... » الحديث أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب التيمم (7) باب (1) حديث (335) ، ومسلم في الصحيح، كتاب المساجد (5) حديث 3 - (521) . متفق عليه من حديث جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه.