معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 181
قلت: ظاهر هذا أنه لم يقرأ على غيره، وليس كذلك، بل تفقّه عليه وعلى أبي عمران الفاسي وطبقتهما، وأخذ عنه عبد الحق، وابن سعدون، وعبد العزيز التونسي وابن أبي الحاج (1) وغيرهم.
قال: كان فقيها، صالحا، موصوفا بالفهم، مقدما في أجوبته، من أهل النسك والإرادة، وصحبة الصالحين، مستجاب الدعاء، وله براهين ومناقب حسنة، قرأ القراءات وأجاز بها وقرأ الفقه البارع والنحو.
قلت: وفي كلامه بتر لكونه كان متكلما في أصول الدين يميل إلى النظر عارفا بالحديث ووجوهه مشهورا بذلك، وكان نشأ في العلم ومات عليه، لم ير مثله في الفقهاء وقارا وسمتا، وفيه يقول عبد الحميد (2) الديباجي رحمه اللّه تعالى:
حاز الشّريفين من علم ومن عمل ... وقلّما يتأتّى العلم والعمل
قال: وكان أبو حفص العطار يقول: إذا وافقني أبو إسحاق التونسي وعبد الواحد الكفيف، ما أبالي بمن خالفني.
قلت: وذكره أبو عمار الميرقي في رسالته، هو وأبو القاسم السيوري فقال:
لحقا من تقدمهما في العلم والورع وأعجزا من يأتي بعد آخر علماء المغرب.
قال: وطرأت عليه محنة.
قلت: كان حقه أن يزيد كما قال غيره: عظيمة، وسببها أنه ورد عليه سؤال من مدينة باغاية (3) استفتى فيها، وكانت المسألة مسألة طلاق ومراجعة، وذكر السائل: إنّ وليّ النكاح كان من الفرقة المعروفة بإفريقية «بالمشارقة» ، وهم أهل دعوة بني عبيد- فأجاب الشيخ أبو إسحاق رحمه اللّه: إن هذه الفرقة على قسمين:
أحدهما كافر مباح الدم، والقسم الآخر وهم الذين يقولون بتفضيل علي بن أبي طالب على سائر الصّحابة، لا يلزمهم القتل (4) ، ولا يبطل نكاحهم، فأنكر عليه
(1) ابن أبي الحاج هو أبو عمران الفاسي، وقد تكرر اسمه مرتين، مرة بأبي عمران الفاسي، ومرة بابن أبي الحاج، والوارد عند عياض: ابن أبي جامع.
(2) في ترتيب المدارك، والديباج، والفكر السامي: «عبد الجليل» وفي الشجرة «عبد الحميد» .
(3) مدينة باغاية: هي حصن صخر قديم حوله ربض كبير من ثلاث نواح. انظر: المسالك والممالك للبكري 2/ 338.
(4) في المدارك: الكفر 4/ 767.