معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 3، ص: 182
جميع فقهاء إفريقية بالقيروان وغيرها، واحتجوا عليه بأن جماعة من أهل الزّهد، والعلم، والعبادة بالقيروان، كانوا أشد الناس مباينة بالعداوة والتكفير لبني عبيد وأتباعهم. منهم أبو إسحاق السبائي، ومروان العابد، وربيع القطان وأضرابهم، وأرسلوا إليه أن يعاود النّظر، وأن يرجع عن هذا القول فأبى عن ذلك، وانتهت القضية إلى المعز بن باديس فجمع بعض الجمع عنده في المقصورة وناظروه، فأظهر الإنابة إلى قولهم والرجوع، ثم خلا بأصحابه فأنكروا عليه رجوعه إلى قولهم، وأنه الحق الذي لا يجب سواه، وكان رأي الفقهاء سد هذا الباب للعامّة على هؤلاء الكفرة بني عبيد الزنادقة، وإنّ الدّاخل في دعوتهم- وإن لم يقل بقولهم كافر، لتوليه الكفر، فأظهر أبو إسحاق التّمادي على قوله وإنكار الرجوع عنه، فأطلق الفقهاء الفتيا على مقاله هذا بالتضليل والتّبديع، وقال فيها الشعراء قصائد كثيرة تضمّنت أبا إسحاق والتبري منه؛ وأنشدها الشعراء والطلبة عند الفقهاء في دورهم، وأمر السلطان بسجل في القضية من التبري من قوله، وقيل فيه ما يعظم به أجره، وأمر بقراءته يوم الجمعة على المنبر قبل الصلاة مستهل صفر عام ثمانية وثلاثين وأربعمائة ثم أمر السلطان بإحضاره بالمقصورة في ذلك اليوم إثر الصلاة، وأحضر معه الفقهاء أبا القاسم اللبيدي فقيه مشيخة الفقهاء وكبيرهم، والفقيه أبا الحسن، والقاضي أبا بكر بن أبي محمد بن أبي زيد خاصة من بين سائر الفقهاء، وكان هذان الفقيهان من أشد الناس ميلا إلى مذهب الجماعة،- وحكم في المسألة اللّبيدي، فحكم بأن يقر بالتوبة على المنبر بمشهد جميع الناس وأن يقول: كنت ضالّا فيما رأيته ورجعت عن ذلك إلى مذهب الجماعة، فاستعظم الأمر على المنبر وقال: ها أنا أقول هذا بينكم، فساعدوه وقنعوا منه بقول ذلك بمحضر السلطان والجماعة، وأن يقوله بمجلسه ويشيعه عنه، فاقترفوا (1) على ذلك، وحصلت على الشيخ منه غضاضة فخرج في صبيحة يومه متوجها إلى منستير الرّباط، وهو المراد بقول من قال: خرج إلى قصر الرّباط، ولا يحمل على ظاهره، وهو أنه خرج إلى قصر الرّباط الكائن بسوسة، إذ هو معدّ للعبادة كقصر المنستير، لأنه يكون خلافا، وعلى ما حملناه عليه يكون وفاقا، وكان ذلك في يوم السبت الثاني من صفر من السنة المذكورة، وإنما خرج من الفور مسكتا للقضية ومنسيا لها فتغيّب بشخصه ثم عاد إلى القيروان.
(1) فاقترفوا: أي عيّبوا على ذلك. وفي المدارك: فافترقوا (طبعة بيروت) .