معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 6
و قال أيضا: «إذا تعلّق قلب الفقير باللّه تعالى خفت مؤنته على قلوب المؤمنين» .
و ذكر الشيخ أبا الزين جميلا هذا وقال فيه: «تكون له قاعدة ويفتح اللّه عليه بدنيا وافرة وما أغناه عنها» .
قال: وسمعته يقول: «من أظهر كرامة لغير ضرورة فهو مبتدع» .
قال شيخنا أبو الفضل القاسم البرزلي: ووقع بصره على امرأة [فجأة] (1) فقال:
العمى يا جميل. فقال الشيخ أبو يوسف من موضعه: عمى البصر لا عمى البصيرة، فكان كذلك.
قال: ودخل الشيخ أبو يوسف لمطهرة ليغتسل، وأخذ الشيخ جميل يملأ له الماء فقال له الشيخ: يا جميل، لو قيل لك: إن جنابتي إنما هي من زنا ما تصنع؟
فقال له: يا سيدي ما نزيد فيك إلا اعتقادا وأقول: سبق في علم اللّه ذلك فلا بد من إنفاذه وأطلب اللّه لي ولك التوبة والمغفرة. فقال له: يا جميل، جمّلك اللّه في الدنيا والآخرة. وكانت عجوز تعرف [الشيخ] (2) جميلا وفقراءه، فراود الفقراء الشيخ على أن تكون العجوز في بيت معهم بالزاوية وتطبخ لهم وتتصرف، وقالوا له: إنها عجوز كبيرة، واحتجوا له ببعض فضائل (3) الصحابة رضي اللّه عنهم من أن عجوزا كانت تطبخ لهم الشعير وغير ذلك، فلم يفعل. ثم إنه اشترى ذات يوم حوتا كثيرا (4) وعمل عشاءهم به، وغسل ذلك الحوت بماء في محبس، ثم بعد صلاة العشاء أغلق الماجل (5) ورفع مفتاحه وأغلق عليهم باب الزاوية، ورفع مفتاحه أيضا ولا علم عند الفقراء بذلك، فأخذهم عطش شديد ووجدوا الماجل مغلوقا، وباب الزاوية كذلك، فاضطروا إلى غسالته فشربوها، فلما جاء الشيخ بالغد شكوا له ما أصابهم من العطش، وأنهم اضطرّهم الحال إلى أن شربوا (6) غسالته، فقال لهم: يا بنيّ إنما هو
(1) سقط من المطبوع المحقق 4/ 6.
(2) زيادة من: ت.
(3) ط: فضائلي، وفي ت: قضايا، وفي هامش ط، كتب: «لعله قضيا» .
(4) في المحقق: كبيرا 4/ 7.
(5) الماجل: مستنقع الماء. راجع لسان العرب مادة «مجل» 11/ 616.
(6) ت: يشربوا.