معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 14
تأخذه (1) في اللّه لومة لائم، ترك الدنيا من قدره رغبة (2) فيما عند اللّه عزّ وجل في الدار الآخرة. وكان لا ينام أكثر ليلة لشغله بصلاته وإقباله على مناجاة ربه، مقتصدا في ملبسه ومطعمه، يتصرف في حوائجه لنفسه ويتولاها بذاته، مؤيّدا في أموره، مميّزا لزمانه، متحفّظا من أهله، منقبضا على السلطان وأسبابه، جاريا على سنن الشيوخ في جميع أحواله. وكانت له إجابات مشهورة، وفضائل معروفة، وأخبار مأثورة.
حدثني [من نثق به] (3) جدّي عبد الملك بن عبد اللّه بن عوانة رحمه اللّه قال:
كان بعض الولاة بالقيروان ممّن يتولّى الأشغال المخزنية، سعى بي إلى الملك ونالني منه مكروه، وعظمت إذايته، وكثر ظلمه للناس (4) ، وامتدت يده إليهم ولسانه، وجاهرهم بذلك، وقدح في حرمتهم. فأجريت ذكره عند الشيخ أبي داود، وأعلمته بحال ذلك الوالي وحال الناس معه، واستباحته لأموالهم، وضرب ظهورهم. فأطرق ساعة ثم قال لي: قد تحققت ما قلت؟ [قلت له: نعم] (5) ، فبسط (6) كفيه وقال:
اللهمّ عجّل عقوبته واكف المسلمين شرّه، فأمّنت على دعائه. فلما أردت الانصراف قال لي: قد أهلك اللّه الفاجر وأراح المسلمين منه، فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلا وأخذ وثقف وضرب بالسياط إلى أن مات. وأخباره في إجابة الدعاء كثيرة، وفضائله شهيرة.
قلت: وحدثني من نثق به عن من حدّثه من الثّقات من تلامذة الشيخ أبي محمد عبد العزيز المهدوي بزاويته بتونس المعروفة في زمننا بدار أبينا عبد اللّه. وأنه بقي يخدمه سبع سنين من طحنه بيده وسقي الماء وغير ذلك. وعزم على الحج، وخرج الشيخ يشيّعه فوصل معه لرادس (7) ، وأعطاه درهما وقال: اعمل هذا في
(1) في ت وط: لا تخذه. والصواب ما أثبتناه.
(2) ت: زيادة كلمة «منه» أمام رغبة.
(3) سقط من: ت.
(4) ت: للقايد.
(5) سقط من: ت.
(6) ت: ثم بسط.
(7) رادس: قال البكري: واسم مدينة تونس في الأول: ترشيش، ويقال لبحرها بحر رادس، وكذلك يسمّى مرساها مرسى رادس. المسالك والممالك 2/ 211.
و قال الحميري في كتابه الروض المعطار: مرسى رادس هو مرسى بحر تونس وهذا الاسم إما للمرسى أو للقرية المطلة عليه. ص: 265.
و في كتاب وصف إفريقيا: إنها مدينة صغيرة بناها الرومان على ساحل البحر المتوسط قرب قناة حلق الوادي، يسميها المغاربة «نابل» كانت قديما عامرة بالسكان ومتحضرة جدا 2/ 82.