معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 15
جيبك ولا تطرد أحدا مما يأتيك، وأنفق من الجيب. فكان يدخل يده لجيبه ويخرج الدّراهم.
قال: وأتى إليه أخوان من زرزورة، وهما محمد، وعبد الحميد بعد الغداء، فأمر أهل داره بعمل طعام لهما، فقدمه لهما من غير إدام، إذ لم يكن في الدار أحد (1) . وكان الكوز (2) معلقا فقالا: هلّا صبّ لنا نقطة على هذا المرق من الزيت الذي في (3) الكوز؟ وإذا به وقع وتكسّر، فبان أنه فارغ، فقالا: انكسر الكوز، فقال: المتهم إن لم يبرّأ (4) نفسه ما يزال (5) في التهمة. ثم (6) حضر العشاء بعد ذلك فتعشّا وناما، فرأى أحدهما أنه تقدم يصلّي بالشيخ وقنديل على رأسه، ورأى الآخر أن الشيخ عقد له وأومأ له إلى القبلة. فلما استيقظا أخبر كلّ منهما صاحبه بما رأى وقالا: إن كانت هذه رؤيا صادقة هو يعرفنا بها. فقال لهما: إنها رؤيا صادقة وأنتما دخلتما القيروان زوايا الشيوخ من تلمسان (7) إلى القيروان، وقلتما: ما بقي أحد [و أنا ما أنا] (8) إلا غدير، ومن تركتموه خلفكم بحرا. فمشيا إلى بلدهما فكانا شيخين ولم تزل تلامذتهما إلى الآن بذلك المكان.
و يقال: إن الشيخ أبا محمد عبد العزيز المذكور دعا فقال: اسأل اللّه يا عبد السلام (9) أن يجعلك كالغيث حيثما حللت حلّت البركة.
قلت: ووقعت بينه وبين الشيخ أبي محمد عبد السلام بن عبد الغالب المتقدم ذكره (10) منافسة. وكان لكلّ واحد منهما تلامذة فقال الشيخ أبو محمد يوما في نفسه: ما هذا الذي صنعت مع الشيخ أبي داود؟ فدخل إلى زاويته وأمر أن تجمع أنعلة أهلها في حبل وعملها في عنقه، ومشى وفقراؤه خلفه لدار أبي داود ليستغفروا اللّه تعالى في حقه. وأوقع اللّه تعالى في قلب (11) أبي داود مثل ذلك، ففعل كفعل
(1) ت: شي ء.
(2) الكوز: هو الكوب إذا كان بعروة، وإذا لم يكن له عروة فهو: كوب. لسان العرب.
(3) ت: في هذا.
(4) ط: يبدء. التصويب من: ت.
(5) ت: يزول.
(6) ت: وحضر.
(7) تلمسان: مدينة جزائرية كبيرة، ازدهرت في عهد المرابطين وأصبحت مركزا للعلوم الفقهية والكلامية، كانت عاصمة بني عبد الواد في القرن 13 - 16 الميلادي. للمزيد معرفة عن هذه المدينة انظر وصف إفريقيا 2/ 17 - 24.
(8) سقط من المحقق 4/ 16.
(9) ت: الشيخ.
(10) راجع ترجمته رقم: (332) .
(11) في ط: قلبي.