معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 76
و كتب شيوخنا إلى السلطان بتونس في ابتداء الأمر فأبى أن يقضي [فيه لهم] (1) حاجة، وسدّ الباب في وجوههم، وقال: هذه تونس وفيها الصالحون يعمل هذا فيها. فأتى الشيخ إبراهيم هذا إلى قبالة تلك الدار، وجلس هناك في الزقاق، ويقال: إنه كان يعمل الميعاد هناك، وأكثر الملازمة لذلك ليلا ونهارا، فكان كل من كان يريد دخولها لشربه، أو لشرائه من الناس، يجد الشيخ ومن معه من أصحابه هناك، فيستحي أن يدخل وهم ينظرون إليه فيرجع، فتعطل الدخول عنده لما ذكر، فاشتكى للسلطان، فقال: وأي شيء نعمل له؟ كتب لي هو وغيره من الشيوخ في ذلك فلم أسعفهم، فقضى هو الحاجة لنفسه، فمشى الرجل، وسدّ الشيخ باب الدار بيده.
و كان الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن شبل ينقل عمن حدثه أن الشيخ إبراهيم لم يختص بذلك بل جميع المشايخ (2) اتفقت كلمتهم على ذلك كالشيخ أبي عبد اللّه محمد الرباوي، وأنهم لازموا ذلك المكان، حتى انصرف الرجل وهو (3) لا ينفي ما تقدم، فهو وإن كان المشايخ (4) شاركوه في ذلك، يكون هو المبتدي لذلك، والمبالغ فيه، فكأنه اختص بالملازمة لذلك المكان.
قال العواني: ثم إن الشيخ أبا إسحاق هذا بلغه عن بعض أهل القيروان كلام عليه، فيه طعن، أداه ذلك إلى الخروج عن البلد، والهروب منه، فقلق الناس من ذلك ووجدوا وجدا شديدا، وتغيّظوا على من جنى هذا وقاله بأنواع من المقال القبيح، وإن الناس لمعذورون في الأسف على فقد مثله، فقد انتفع به عالم من الناس، وتاب خلق كثير على يديه.
ثم إن الناس اجتمعوا إليه، وأقسموا عليه، وسألوه الجلوس بالبلد، فأبى فارتحل إلى مدينة تونس مستوطنا بها، فحلّ من أهلها محلّ أهل الإرادة، واحتلّ منها بمرقاة التعليم والإفادة، وجرى له مع السّلطان كلام طويل جميل، ورغبة في الدّعاء، فدعا له دعاء حسنا، ورجال السّلطان يؤمّنون على دعائه، ثم أمر له بدار جيّدة، فأنزل فيها، وأكرم مثواه. وكان الطّاعن الذي طعن عليه، إنما كان طعنه فيما
(1) ت: بهم فيه.
(2) ت: المشيخة.
(3) ت: وهذا.
(4) ت: المشيخة.