معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 77
يرجع للسلطان، وبلغ ذلك إلى الملك، فلما رأى إقبال الملك عليه، وإكرامه له، علم أكثر الناس أن بينه وبين اللّه سريرة حسنة، وأنه ظاهر الخير بين العفاف كريم البيت ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ* (4) [الجمعة: 4] .
قلت: يريد أن بعض أهل القيروان كتب للسلطان وهو يقول: ابن غلاب لا يريد أن يكون في القيروان إلا شيخها، ويستقل بها، والسلطنة عقيمة. فسمع الشيخ أن السلطان تأثر لذلك، فثار (1) هو، إلى (2) أن ارتحل لتونس برسم الإقامة، وتخوّف إن لم يبادر لذلك، فقد يعاود الكلام فيأمر السلطان بمجيئه إليها وسكناه بها، وعلى كل حال، فعمي قلب السلطان عليه، فلما حضر مجلسه وظهر منه ما دلّ الكلام عليه، فكانت كرامة له.
و أزال رضي اللّه عنه، مظلمة كبيرة، عن أهل تونس على يديه؛ وذلك أن الشيخ كبر حاله بتونس، وكان قوّاد السلطان، يكثرون الزيارة إليه ويطلبونه في الدعاء، وتلك المظلمة تسمّى مودة الجراد، وسببها أن الجراد ظهر بقرب تونس، وهو صغير، فخافوا منه على غابتهم أنه يأكلها، فاستأجروا أجراء لنشّه وإبعاده عنها، وطال أمرهم معه، وأخذوا يكتبون الأجرة حتى سلمت غابتهم، وجمعوا ذلك، فجاءت الإجارة (3) خمسين ألف دينار دراهم، وفرضوها عليهم، فلما كان العام الآتي قال بعض الظلمة للسلطان: أدّى أهل تونس في العام الفارط (4) على غابتهم خمسين ألف (5) [دينار دراهم] (6) ولا متكلم فنأخذ منهم ذلك، فوافقه على ذلك، فبقوا يؤدّونها في كل عام، فلما انتقل هذا الشيخ لتونس، ومرض وبرى ء، جاء يهنّيه بعض خواصّ السلطان وقال له: قال لك مولانا: وجب علينا الهناء. فقال له: إنكم لا تقدرون على هناء الفقراء. قال: وما هو؟ قال: تزيلون مودة الجراد عن أهل تونس؟ فقال: خاطركم. فمشى إلى السلطان وعرّفه بما قال، وتسبب بالكلام الحسن فأزالها السلطان عنهم، فسمع أهل تونس، فازدادوا فيه محبة، فكان مجيئه لتونس بركة على أهلها لزوال هذه المظلمة الكبيرة عنهم، هكذا حدثني به الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن شبل عمن حدثه.
(1) ت: فبادر.
(2) ت: إلا.
(3) ت: الأجرة.
(4) ت: الماضي.
(5) ت: ألفا.
(6) سقط من: ت.