معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 87
و حدثني أبو عبد اللّه محمد بن شبل رحمه اللّه تعالى قال: كان الشيخ ميمون الكرفاح في زرعه بالهناشر، وإذا بمرابطين أتوا من ناحية تونس فتعرض لهم، فوجد فيهم الشيخ أبو عبد اللّه محمد المغربي شيخ تونس، جاء برسم زيارة قبور الصّالحين، فسلّم عليه وقال: يا سيدي السبقية (1) لها حق، فنحب أن تضيف عندي، فأجابه إلى ذلك. وسمع شيوخ القيروان وعمالها وشيوخ الساحل بوصوله فبادروا للسلام عليه، وقام ميمون لضيافتهم (2) .
و كان الشيخ المغربي يمشي كل يوم والناس خلفه، حتى يقف على أصل سور القيروان القديم الشارف على قبر الشيخ أبي زمعة [البلوي] (3) ، صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ويرجع حتى قال: يا فقراء الآن، إذن لكم في زيارته، فنزل ونزلوا معه من ذلك المكان المعتلى لزيارته، فزاره، ثم زار مشيخة القيروان، ومشى إلى تونس.
و حدثني من نثق به عن الشيخ صالح الصّدفي أنه قال: ذبح ستة عشر رأسا من البقر خلاف الغنم، وأنفق سبعين دينارا دراهم في الخضرة والأبزار ونحو ذلك؛ ولما عزم على المشي لتونس قال له ميمون: ما تمشي حتى يأذن اللّه بالرعد، والبرق، وتصب المطر كأفواه القرب، حتى تعلم (4) أن في القيروان رجلا يسد الخلة، ويبرئ العلّة بإذن اللّه تعالى، فأذن له، فكان كما قال. فقال له: يا ميمون غرقت الناس! فقال له: لا تصحى (5) حتى تسلّم أن في القيروان رجالا، وكرر له ما تقدم، فسلّم له وقال: نعم. فارتفعت المطر بإذن اللّه تعالى.
و سمعت الشيخ ابن شبل يقول: لما رجع لتونس مشى معه الشيخ ميمون، فقال ميمون في نفسه يوما: ما كان أنفقته (6) للشيخ، وما تركت للعيال شيئا، وكانت له (7) زوجتان [إحداهما حامل] (8) ، فلا أدري أولدت أم لا، فأخذ الشيخ المغربي كفيه (9) ، ووضع إحداهما على صدغه الأيمن، والأخرى على [صدغه] (10) الأيسر، وقال: انظر يا ميمون! فأبصر داره بالقيروان، وإذا هي مملوءة بكل خير، ووراء
(1) المراد به: الأسبقية.
(2) ت: بضيافتهم.
(3) سقط من: ت.
(4) ت: نعلم.
(5) تصحى من: الصحو.
(6) ت، ط: نفقته.
(7) ت: عنده.
(8) سقط من: ت.
(9) ت: كفه.
(10) زيادة من: ت.