معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 112
إلى الشيخ الرماح وقال: هذا يجري في وسط (1) القيروان، وأنت فيها! وبسط له حاله، فبعث إلى القائد وهو يأمره بنفيه. فقال: لا أفعل، ولعله يكون صالحا كما يقول الناس فيدعو علي فنهلك، فأنا لا نأمر ولا ننهى، فبعث وراء الأمناء وأمرهم بذلك، ففعلوا، فلما وصل لربض (2) أولاد أبي رحمة غيث الحكيمي، أخذه أهل الربض من أيديهم، وأدخلوه المسجد المعروف بمسجد الزيتونة عندهم، والتمّوا (3) عليه، فبعث لهم الشيخ الرماح بانصرافه، ففعلوا ذلك، وأعطاه الناس حوائج كثيرة لاعتقادهم فيه، فأخذوا يفتشون (4) على حوائجهم في البرج الذي كان فيه. وتبين بعد ذلك أنه زبال بتونس، يكنس تحت الخيل، فكان ممّا عرف له ذلك.
و كان رحمه اللّه يجيز السماع، فيعمل له في زاويته بخواصّ أصحابه، وكانوا تسعة، ولا يحضر معهم أحد، ولا يعمل لهم طعاما في غالب الحال، وكان هو يحضر معهم في خلوة وحده، ولا يشطح منهم إلا واحد إذا غلب عليه وأراد الحال، وسلم له أهل عصره ذلك، هكذا كنت أسمع في القديم.
ثم سمعت من شيخنا أبي عبد اللّه محمد الشبيبي (5) أن الشيخ أبا عبد اللّه محمد القلال كان ينكره عليه ويقول: إنه بدعة ولو على الصّفة المذكورة، ووضع على أول تهذيب الشيخ أبي سعيد البراذعي سفرا في القالب الصغير من أوله إلى القصر، فورد على القيروان تأليف الشيخ أبي حامد الغزالي المسمى بالإحياء.
فنظره، وترك التأليف. واشتغل بعمل الميعاد ساعة، والتفرغ للعبادة حتى مات.
هكذا سمعت من شيخنا أبي محمد الشبيبي ويا ليته- رحمه اللّه- لم يفعل ذلك ولو تمادى على تأليفه لكان أفضل له لحفظه في نقل المذهب وحسن فكرته، ولكن ذلك الذي قدّر له. ونقلت عنه في شرح التهذيب وغيره ما يدلّ على ذلك.
و هو القائل في البدويين الجاهلين معا بالحرز إن شرى أحدهما من صاحبه السقيطة وغيرها جزافا: إنه جائز، ورئي أن الجاهلين كالعاملين، وأفتى الشيخ أبو القاسم الغبريني بتونس بمنع ذلك.
(1) سقط من: ت.
(2) ت: لربظ.
(3) بمعنى: التأمو، وفي ت: واتلمذوا.
(4) في ط: يفتشن، وفي ت: يفتشوا.
(5) ت: الشقانصي.