معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 128
و يقبل عليه، ويقضي له تلك الحاجة، فينتقل معه التي قبلها فيقضيها، وهكذا حتى يقضي جميع حوائج ذلك اليوم. وهكذا دأبه رحمه اللّه تعالى.
ذكر محنته رحمه اللّه تعالى
كان لما عظم حاله، وكبر جاهه، حسد وعمل فيه وفي صاحبه الشيخ أبي حفص عمر بن بركات الكناني، رسم بالشهادة العادلة بأنهما زكراويا المذهب، خارجان عن اعتقاد أهل السنة، وبعث به لتونس لقاضي الجماعة بها أبي علي بن عبد الرفيع، فرفعه للخليفة أبي إسحاق إبراهيم، وكان الشيخ أبو محمد عبد اللّه بن تافراجين بين يديه كأنه هو السلطان فوقف في المسألة، وبعث له ولصاحبه بالوصول.
قال شيخنا ابن شبل: فزار قبور مشيخة القيروان خارج البلد وداخلها، وأكثر من الدعاء عندهم ليفرج اللّه عنهما ما نزل بهما، ثم خرجت معهما إلى قبور مشيخة الساحل، فلما وصلنا إلى قبر الشيخ أبي إسحاق الجبنياني، وسلمنا ورحّمنا. قال الشيخ أبو الربيع: يا سيدي أنا رجل غريب، وردت على القيروان، نطعم الطعام، ونذب عن أهلها وعن وطنها، فحسدنا وعمل فيّ رسم وفي صاحبي هذا بكذا وكذا بالباطل، اللهمّ يا رب بما قرأ هذا الشيخ وما قرئ عليه فرّج عنّي، واجعل من أمرنا فرجا ومخرجا. وكان دعاؤه وتضرعه بالعالي، وهو يبكي وينتحب، وينصرف عن القبور، ويرجع ويكرر ذلك الكلام، ويقول: يا شيخ ما نقصد غير فعل ذلك مرارا.
فلما انصرفنا من عنده، وقصدنا لجهة القيروان، وإذا بمخبر أخبرنا أن ابن تافراجين وصل إلى المهدية ليتحصّن فيها، لأن تونس وصلت إليها أبروطة في البحر من عند صاحب المغرب لما وصل قسنطينة، وهو أبو عنان، فقال: نصل إليه لئلا يلومنا بعد ذلك إذا بلغه خبرنا، فلما قربنا من باب المهدية احتوشتنا الخدام لكونه مضطرا للإعلام، فأدخلونا عليه فقال: من أين؟ قال له: أنا سليمان البربري، وهذا عمر الكناني الذي بعثت لنا بالوصول، فقال: لا يمكنني غير ذلك، فإن قاضي الجماعة أوقفنا على رسم فيكما، كما قد علمتم. فكان من كلام الشيخ سليمان أن قال له: لا تخف من هذا الذي أنت فيه، الذين وصلوا لتونس لا يمكثون فيها