معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 92
أبي صالح (1) وبه سمي فقاتل أهلها ثلاثة أيّام فلم يقدر عليهم، فخلّى حسّان عسكره بطنبذة. ثمّ رحل إلى زغوان في خيل مجرّدة فافتتحها صلحا وانصرف إلى طنبذة، ثم سار إلى قرطاجنّة، فنزل بموضع دار الصناعة، وحسان هذا هو الذي خرق البحر إليها وجعلها دار صناعة، فأخرج إليها الماء، وأجراه من البحر إليها، فخرج إلى حسّان أهل قرطاجنة بأجمعهم فحاربوه حربا شديدة، فهزمهم اللّه عزّ وجلّ بين يديه، وملك حسّان رضي اللّه تعالى عنه لا فحص تونس، وقرطاجنّة، فلمّا رأت الروم شدّته وقهره لهم وعلموا أنهم لا قوام لهم به ولا طاقة، سألوه الصّلح، وأن يضع عليهم الخراج، فأجابهم حسان إلى ذلك ووافقهم عليه، فأدخلوا عند ذلك ثقلهم في مراكب كانت معدّة عندهم في البحر، وهربوا ليلا بأجمعهم من باب يقال له: باب النّساء، وحسان بن النّعمان رضي اللّه تعالى عنه لا علم عنده بما فعلوه من هربهم، وتركوا مدينتهم خالية لا أحد فيها، ونزلوا بجزيرة صقلية، ومضى بعضهم إلى بلاد الأندلس. فدخل عند ذلك حسان إلى المدينة وبنى بها مسجدا، وخرّب بناءهم بها، ورحل عنها راجعا إلى مدينة القيروان حرسها اللّه تعالى فأقام بها وعمّرها المسلمون وبنوا بها المساكن، وانتشروا فيها وكثروا وأمنوا من أعدائهم، وقطعوا شوكتهم، وأقرّ اللّه سبحانه أعينهم وعلموا أن اللّه عزّ وجل قبل دعوة عقبة بن نافع فيما دعا لهم. وولّى حسّان بن النعمان الغسّاني على صدقات النّاس والسعي عليهم حنش (2) بن عبد اللّه الصنعاني (3) التّابعي رضي اللّه تعالى عنه. ثم إن حسّان بن النعمان لمّا تمهّدت بلاد إفريقية وأمن على أهلها رحل بما معه من السّبي (4) والغنائم والأموال قاصدا إلى عبد الملك بن مروان، ومعه خمسة وثلاثون ألف فارس (5) من سبي البربر، وكان معه من الذهب ثمانون ألف دينار قد جعلها حياطة عليها في قرب
(1) راجع المعطار ص: 436.
(2) حنش بن عبد اللّه ويقال ابن علي بن عمرو السبائي أبو رشدين نزيل إفريقية ثقة مات سنة 100 ه. ترجم له في: تاريخ الثقات للعجلي ص: 136، تهذيب التهذيب 3/ 57، طبقات علماء إفريقية وتونس ص: 80 - 81، شذرات الذهب 1/ 119، تاريخ علماء الأندلس ص:
109 -111 رقم 391، ورياض النفوس 1/ 121 - 122 رقم 41.
(3) المراد بها صنعاء دمشق وليس صنعاء اليمن.
(4) في ت وط: المسلمون التصويب من الرياض 1/ 57.
(5) في الرياض: رأس 1/ 57.