فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 4، ص: 178
و قد كان شريكي في دولتي في رسالة ابن أبي زيد أبو محرز محفوظ الأبي فمرض، وكان يسكن بزاوية الشيخ الجديدي، فعرّفني أنه زاره ولم يكن دخل (1) الزاوية فيما مضى، وأن الشيخ المذكور صاحب الزاوية فرح بقدومه فرحا شديدا.
و ألّف رحمه اللّه تعالى شرحا على الرسالة، جامعا حسنا نحو سفرين في القالب الصغير، وكرّاسة سمّاها شروط التّكليف، وفيها فرائض الصلاة، وسننها، وفضائلها وغير ذلك من ضروريات فرض العين؛ فينتفع المرابطون بها إذ هي تخرجهم من قيد الجهالة، وله تقاييد في النحو مفيدة، وله وضع حسن على الحبيسية في حرف نافع وغير ذلك.
ذكر وفاته رحمه اللّه تعالى وما يتعلق بذلك
حدثني الحاج مبارك بن سالم الهيشري قال: حضرت ميعاده يوما فجلست بإزاء السارية الملتصقة له عن يساره، ودنوت منه حتى كادت حوائجي تقع على حوائجه. فتكلم في وعظه وصاح كعادته ثم أدخل رأسه تحته، فسمعته يقول بكلام خفي لم يسمعه غيري: اللهم اقبضني إليك. وكرر ذلك ثلاثا، فما رجع للميعاد بعد، ومرض من الفور ومات.
و كانت وفاته رحمه اللّه يوم السبت في الثاني عشر من صفر سنة 782 ه، ودفن صبيحة يوم الأحد من الغد. وما رأيت أحدا يبكى عليه بعد موته مثلما بكى الخلق عليه خاصتهم، وعامتهم، وينتحبون (2) في الأزقة وعلى باب داره، وذلك لحسن أخلاقه، ووعظه، ونفعه لهم، ولو بالدعاء (3) .
و كان القائد أبو عبد اللّه محمد بن زغمار بيده سيف مسلول (4) ، وهو خلف نعشه في بعض خدامه، وكان مهابا، ولو لا هو، لكسّروا نعشه من ازدحامهم عليه، وكان القائد يبكي ويدعو على من قطع بينه وبينه، وذلك جرت العادة بأن القائد لا يخالف ما يقول الشيخ، وذلك لما كبر حاله. فلما وصل هذا القائد قال له بعض شياطين الإنس: إن قبلت شفاعة الشبيبي تكن محجوره (5) فما كأنك قائد، فقبل
(1) ت: داخل.
(2) ت: فينتحبون.
(3) في ت، زيادة: «فقط، أو بوضع شهادته في أمر حفيف» .
(4) ت: مسلوت.
(5) ت، ط: محجورة.