معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 1، ص: 15
و سكون ظاهر، محبّا لأهل العلم، حسن الرّجاء برّ اللقاء، لم يؤثر الكبر في جسمه على علوّ سنّه، ولا تغيّر شيء من ذهنه وحواسه، سألته عن مولده فقال: سنة خمس وست ومائة وهو حفظه اللّه من أهل التّعمّم والعناية بالعلم، مع عدم المعتني به والطالب له، موطأ الأكناف، ليّن الجانب، جميل العشرة، على سنن المشايخ من أهل العلم والفضل، أوحد وقته رواية ودراية، لقيت من برّه وحسن خلقه، ورقّة شمائله ما لم إخل مثله باقيا، وما وجوده بالقيروان في هذا الأوان إلا من جملة بركات سلف أهله، وقد نيّف شيوخه على الثمانين، وله «برنامج» ضمّ فيه أسماءهم وما روى عنهم، وقد قرأت عليه بعضه، وأجازني في كل ما تضمّنه، وما شذّ عنه من رواياته إجازة عامة، وكذلك أجاز ولدي محمدا وفقه اللّه، وكتب لي بذلك خطّ يده، وقال لي مرارا: إذا قضى اللّه حاجتك وحججت، فلا تقم في البلاد، فإنّي كثير الشّفقة على ولدك، وقد أوقع اللّه حبّه في قلبه منذ ذكرته لي.
و من عجيب أخلاقه: قال العبدري: إني قلّما طلبت جزءا لأنقل منه إلا وهبه لي، وقد أعطاني أكثر من عشرة أجزاء من فوائده، وفوائد شيوخه وفهارسهم، وقال لي: أنت أولى بها منّي، فإني شيخ على الوداع، وأنت في عنفوان عمرك، ومن حين رأيتك انغرز حبّك في قلبي.
و له مجموعات وتواليف، ونظم جيّد كثير، ومشاركة في العلوم؛ نقليّها وعقليّها، وألّف كتابا حسنا مفيدا في طبقات من دخل القيروان من الفضلاء منذ دخلها الإسلام إلى زمانه، وهو كبير في مجلدين وسماه: «معالم الإيمان وروضات الرضوان في مناقب المشهورين من صلحاء القيروان» ...
قال العبدري مستطردا كلامه عن الدباغ: وناولني «صحيحي البخاري ومسلم» في أصله منهما.
و قرأت عليه بعض الأحاديث الثنائية الإسناد من حديث مالك رضي اللّه عنه من تخريجه، وبعض أحاديثه التّساعيّة من تأليفه وانتقائه، وناولني سائرهما، وناولني أجزاء من عوالي حديثه، وحديث شيوخه، وناولني الأحاديث الأربعين في عموم رحمه اللّه لسائر المؤمنين من تأليفه (1) .
(1) رحلة العبدري ص: 163 - 165.