فهرس الكتاب
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 37
لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: 34] . الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [فاطر: 35] . ثم وضع فاه على في، وألقى فيه شبه الياقوتة أضاء منها جسمي كما يضيء عالم الملك للشمس، فما زلت أشهدها إلى أن استقرت بقلبي ثم قال لي: اكتم.
ذكر أحواله وورعه وزهده
و قال الحربي: قال: أما أحواله رضي اللّه عنه، فكان زاهدا، ورعا كثير الصلاة، متمسكا بالسّنّة، متجنبا لاتباع الرّخص والتأويلات، وكان لا يلبس إلا الصّوف، إما الأبيض، وإما الأبلح، الذي تسميه العامة صباغ اللّه، ولا يركب الحمار إلا قليلا. وقال يوما للفقراء: لقد مكثت خمسة عشر يوما ما أكلت فيها إلا تفاحة، إذا حلّ الفطر أخذت بطرف أسناني منها شيئا فرارا من الوصال، وكان يلوم الفقراء على كثرة الأكل والنوم يقول لهم: «تأكلون حتى يمرار (1) ، وترقدون حتى يطلع النهار، وتطمعون في منازل الأبرار، لا باللّه الذي لا إله إلا هو» . وكان له ميزان يزن به ما يأكل وذلك زنة بيضة الدّجاجة.
قال: وقال: سيدي علي الخياط باللّه الذي لا إله إلّا هو، لي أربعون عاما، ما ملأت جوفي طعاما وأنا أقول: باللّه الذي لا إله إلا اللّه منذ عرفت الفقراء ما ملأت جوفي طعاما، وكان إذا دخل شهر رمضان، انقطع عن الناس في الدار الشهر كله، فإذا جاء يوم العيد خرج ووجهه كالهلال وعليه نور وبه نحول كأنه جسد بلا روح، وفي صوته بحّة.
هذا وعمره إذ ذاك، خمسة وثمانون عاما، وكان رجل من تلامذته اسمه علي بن خليفة رضي اللّه عنه أصابه حال، فجعل في مطمورة ومكث شهرين لا يأكل ولا يشرب، وإنما يرضع خنصر رجل الشيخ سيدي أبي القاسم رضي اللّه عنه فكفاه ذلك وكان يخرج منه سمن وعسل، وكان إذا ذكره يقول: سيدي ومولاي مرضعي وغذائي.
(1) يمرار مثل عامي. والمراد أن يصير مذاقه مرّا بعد لذته وطيبته.