معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 41
و ركبنا المركب وسرنا فما طلع النهار، إلا ونحن بسوسة، فنزلنا وقصدنا القيروان فلما وصلتها وجدت الشيخ رضي اللّه عنه بباب الربض واقفا، فلمّا رآني تبسّم ضاحكا وقال لي: أتيت برزقك وبمالك؟ فقلت له: يا سيدي أرسلتني إلى سوسة فأخذتني النصارى فقال لي: يا ولدي واللّه فتشت المشرق والمغرب، والقبلة والجوف، فما وجدت رزقك إلا في بلد النصارى فأرسلتك إليه، ثم ذهب الرجل لداره فوجد النساء مجتمعات مع زوجه فقلن له: أبطأت عنا وتعالى النهار، فحكى لهنّ القصّة، فضحكن من كلامه، ثم ذهب إلى السوق، واشترى كلّ ما يحتاج إليه وحبّس على الشيخ رضي اللّه عنه أحباسا كثيرة لها بال.
قال: ومنها ما وقع لأخي محمد، فإنه كان مرض في الوباء وأشرف على الموت، فأتاه الشّيخ وسأل عن حاله؟ فقلنا له: إنه يعالج في سكرات الموت فرجع لداره، ثم أتانا فقال: أتاني الخضر عليه السلام وقال لي: اقرأ عليه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) [الإخلاص: 1] (1) ألف مرة فإنه يبرأ. فقرأ عليه فبرى ء.
قال: ومنها أني كنت وقعت في مرضة شديدة، وكان الشيخ رضي اللّه عنه يأتيني بعد صلاة الصّبح فلا يخرج إلّا بعد صلاة العشاء، فجاء يوما كعادته، فلمّا دخل عليّ قلت: لا إله إلا اللّه ليت رجلا من أولياء اللّه يضع يده على جسمي يخفّف اللّه أعضائي، حتى أشرب بيدي، وأجمع الغطاء علي، فلما همّ بالجلوس تغير وجهه ولم يجلس، فمشى إلى داره ثم رجع وقد ظهر السّرور في وجهه وقال لي: يا أحمد، ذهب السّوء أتاني الخضر عليه السلام بعد أن خرجت من عندك، فقال لي: أحمد يعافى من هذا المرض لكن بعد طول. قلت له: إن شاء اللّه مستبعدا لذلك، فقال لي: كان الشيخ أبو عبد اللّه سيدي محمد الجديدي حجّ مع رجل من تلامذته يقال له: عبد النبي، فلما وصلوا وقصدوا الحجّ قال له الشيخ: أنا أذن لي في المقام هنا، فقال له: يا سيدي لو علمت أنك لم تردني إلى مكاني ما جئت، فقال له: يا عبد النبي، أنت ما في قلبك إلّا دويرتك وتأخذ مفتاح جنانك، وتأكل من ثمرته، وأنت يا أحمد لا بدّ لك أن تبرأ وتركب فرسك حتى يحضر أجلك غير هذه المرة، ثم مشى إلى داره وقد ازداد علي من المرض ما لم يأتني
(1) عدد آياتها (4) آيات.