معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 42
قط، ثم رجع الشيخ إليّ وسلم علي فرددت عليه السلام ردّا ضعيفا وقال لي: ما حالك؟ فقلت له: إن الحاج عبد النبي لم يصل إلى الجنان فقال له: واللّه لا بد له أن يصل إليه، ثم جلس ووضع يده على رجلي ومرّ بها إلى ساقي فأحسست البرد دبّ، فلما وضع عليه يده ثم على سرّتي، كذلك إلى صدري كذلك، فلما أحسست بذلك، أخذت الإناء وشربت بيدي، وأخذت الغطاء وجعلته عليّ وضحكت فقال لي: ما لك؟ فقلت له: طيب فمن تلك الساعة سرت زيادة في البرء إلى أن قمت.
قال: وقال لي الشيخ: يا ولدي، أنا اليوم من الذين إذا نظر اللّه إليهم سكن غضبه في جميع خلقه، يا ولدي واللّه ما في قلبي طمع في الجنة، ولا خوف من النار، وكأني أتتني من اللّه براءة بالأمن من الدنيا، ببراءة بالأمن في الآخرة. وقال له والدي يوما: يا سيّدي كنت كثيرا ما تخبرنا على الخضر عليه السلام، ولك مدة ما أخبرتنا عنه بشيء فقال له: هذا مكانه البارحة إلى موضع أشار إليه.
و منها قال: لما مرض والدي رحمه اللّه وتوفي من مرضه، خرج به الشيخ من المقبرة بالجناح، فلما وصل به إلى برج الزريبي قال له علي: إن روح والدي فوق القبر وهو فرح برؤيتك يقول: يا سعدي بعلي، يا سعدي ببرئه قال: ومنها أنه لما مات الشيخ الإمام المفتي المصنّف أبو عبد اللّه محمد بن خلف الأندلسي، حضر جنازته الشيخ سيدي أبو القاسم فقال حوله: إنّ روح الشيخ محمد بن خلف ترفرف فوق النّعش وتقول: مغفور لكم يا قرويون. وقال: توفي الشيخ سيدي أبو القاسم رحمه اللّه سنة ثلاثين وتسعمائة ودفن بزاويته.
قال الحربي: قلت: وزاويته هي الشرقية المفتح بربض القبلية تجاه شبّاك حومة الأشراف ولها باب آخر قبلي المفتح داخل ربضه على يمين الداخل للربض المعروف به اليوم، وعلى قبره أنوار وهيبة عظيمة، وجلالة كبيرة رحمه اللّه عليه ورضوانه لديه. قلت: ونختم ترجمته عمن أخذ الطريق على سبيل الإجمال، أخذها من طريقين، طريق يتصل بالإمام الغزالي، وطريق يتصل بابي مدين الغوث إلى سيدي عبد القادر الجيلي رضي اللّه عنهم. ولكل مسلك للسابقين، وقلت لما جاءت طريقة الشيخ سيدي عبد القادر إلى القيروان، استفتحت الجماعة في خدمتها بزاوية الشيخ سيدي أبي القاسم هذا سنين عديدة، حتى يسّر اللّه سبحانه بناء زاوية الشيخ سيدي عبد القادر، فتحولت الجماعة لها. وهذا دليل في استجلابهم لزاويته حتى بنيت زاوية الشيخ، مع أن زوايا كثيرة بالقيروان لا تحصى.