معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 59
قال: وقيل: من وادي الوحش من أرض الحجاز، وأتى من بلاده ونزل قرية فلوس شرقي صفاقس وتزوج بامرأة من قصر تنيور جوفي صفاقس، فولدت له ولدين ذكرين، اسم أحدهما منصور، والآخر سعيد فانتقل سعيد هذا إلى صفاقس، وتزوج بها امرأة، وصار يتّجر من صفاقس إلى القيروان، فوقعت له صحبة مع أحفاد الشيخ الحاج عطاء اللّه السّلمي بالقيروان، وتزوج منهم امرأة، وأقام بها مدة بالقيروان، ثم انتقل بها إلى صفاقس فولدت له بها سيدي علي المذكور نفعنا اللّه بسرّه آمين. ثم توفيت أمه وتركته صغيرا فحضنته زوج والده في المكتب فقالت له زوجته: علّم ولدك صنعة يعيش بها، فرفعه لمن يعمل معه صنعة نسج الكتّان على عادة أهل صفاقس، فتعلمها وصار قلبه معلّقا بزيارة الصالحين كالإمام اللّخمي، والشيخ سيدي علي الكراي، والإمام ابن التين وغيرهم؛ نفعنا اللّه بهم، فصار يجذب كل يوم للزيارة من الصباح، ويترك المنسج ينسج وحده، ثم يرجع مساء، ويدفع لوالده كل مساء مقطع كتان، فتعجّبت منه زوجة والده وقالت لوالده: هذا لا يكون من عمل يديه، فخرج يوما وترك بيته مغلوقا، فجاءت بعده للبيت ونظرت من شقّ الباب، فإذا المنسج ينسج وحده فقالت لأبيه: إن ابنك كبر سنّه، ولا يليق أن ينام معنا في البيت، فاجعل له بيتا ينام فيها، ففعل ذلك فانتبهت زوجة أبيه ليلة من الليالي فسمعت ببيته كلاما ودويّا فقالت لوالده: قم واسمع هذا الكلام ببيت ولدك لعلّ معه أحدا في البيت فقال لها: اتركيه. فقالت: لا بدّ أن تذهب إليه، ثم قامت وذهبت إليه ونظرت من شق الباب فوجدته جالسا على كرسي لا يعلم وصفه إلا اللّه تعالى، وبإزائه كراسي كثيرة، وديوان منصوب وهو يقول: أوليت فلانا وعزلت فلانا، ثم التفت الشيخ إلى الباب وقال لها: كشفت السّرّ أعمى اللّه بصرك، فصاحت صيحة عظيمة وقالت: واحسرتها على كفّ بصرها، فخرج زوجها وعاينها ثم جاء لولده وطلب منه العفو عنها إكراما لوالده فقال له: هل تابت من شرها؟ فقالت: أنا تائبة إلى اللّه تعالى. ففتح الباب وخرج ومسح على عينيها فرجع إليها بصرها في الحين بقدرة اللّه تعالى، وصارت من ذلك الوقت تحبّه وتكرمه.
و قال: قال: ثم تقوى به الحال، وزاد به الانجذاب، وصار لا يصحو إلا قليلا، فأمره والده بالخروج إلى البلاد الواسعة، فخرج من صفاقس وقصد محروسة تونس، فلما بلغها فتح بها حانوت عطّار، فجعل يبيع الشيء الكثير بالثّمن القليل،