فهرس الكتاب

الصفحة 975 من 1221

معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 60

و كل من سأله عن شيء أعطاه إياه ولم يره أحد أدخل لحانوته شيئا من ذلك المباع، فتعجّب النّاس من أمره، وكثرة ازدحام الناس عليه، وقصدوه من كل الجهات، وربحوا منه ربحا كثيرا، فحسده أهل السوق واشتكوا به للأمير وقالوا له: هذا رجل قد أقبل عليه جميع الناس، ويخشى منه تغيير الدّولة! فأمره الأمير بالخروج من تونس، وقصد مدينة القيروان وكان إذ ذاك الشيخ سيدي علي العيوني نفعنا اللّه به آمين حيّا بها، وكانت عنده دلّاعة بقيت عنده إلى أن خرج زمن الدلاع، وكانت تلامذته دائما يطلبونها منه فيقول لهم: ليست لكم وإنما هي لصاحبها، فلما قدم الشيخ سيدي علي الوحيشي زار السيد الصحابي الجليل رضي اللّه عنه ونفعنا به آمين، ثم قصد زيارة الشيخ سيدي علي العيوني، فلما رآه الشيخ من بعيد، قال لتلامذته: هذا صاحب الدّلّاعة قد أتى إلينا زائرا فأتوني بها، فأتوه بها، فأخذها وأخذ سكينا وقطع منها قطعة وأدخل يده وجعل يعصر في الماء بوسطها حتى صارت شحمتها ماء وقال: افتح فاك يا علي، فسقاه جميعها فخرج الشيخ الوحيشي في الحين من عنده هائما، وطرح ما عليه من الثياب، وصار يدور في أزقة القيروان عريانا، فصادف قدوم الأمير حمودة باشا بن مراد للقيروان، فلما دخل المدينة وشوّاشه (1) بين يديه يوسعون عنه الناس على عادة الملوك، فعرضهم في طريقهم الشيخ الوحيشي على تلك الحال، فأمره الشّوّاش أن يتنحّى عن الطريق، وصاحوا به ثلاث مرات وهو لا يشعر بهم، فعمد إليه بعض الشواش وضربه بقضيب ثلاث ضربات، فبقي ذلك الشاوش واقفا لا يقدر على التحول من موضعه، ووقفت فرس الأمير ولم تقدر على الحركة والأمير ليس له علم بما صدر من الشاوش فلما رأى ما حلّ بفرسه وشاوشه قال: أين هذا الرجل؟ فقالوا: ذهب لشيخه سيدي علي العيوني نفعنا اللّه به آمين فنزل عن فرسه وذهب يمشي على رجليه إلى أن وصل إلى زاوية الشيخ العيوني فوجده بها فلما وصل إليه ارتمى عليه وصار يقبّل يديه ورجليه وهو يبكي ويقول: يا سيدي العفو، العفو فقال له الشيخ الوحيشي رحمه اللّه: لا عفو، ولا صفح حتى تذهب معي، فقال له: السمع والطاعة يا سيدي، فخرج الشيخ والأمير خلفه يمشي على رجليه إلى أن وصل لمكان الزاوية الآن، فوقف الشيخ

(1) الشاوش: هو الذي يقف أمام مكتب رئيس المصلحة، أو موظف سامي يستخدم في نقل الأوراق الإدارية وغيرها من مكتب إلى مكتب عند الحاجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت