معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان، ج 5، ص: 77
كان هذا السيد أعلن بالتغيير على ما ينكره، وأنه كان يجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما قلده من وظيف الفتيا، وأنه من الأشراف. ومطبوع في جبلته أن يصدع وينهى عما يراه من مساوي هذا الخبيث، فلما سمع عليه ذلك استهدفه للسهام حتى ذوقه كأس الحمام (1) ، فله أسوة بأجداده، وبقي الخزي لمراد. قال في الحلل السّندسيّة ما معناه:
لما مثل بين يديه أمر بقتله فقال له: إنك إن قتلتني فايئس من طول حياتك.
فقتله وجرّد لحمه وشواه، وشرب عليه الخمر، قابله اللّه بعدله وقتل الفقيهين الشيخ علي الغرياني، والشيخ أحمد الرماح القيسي، هذا ما علق بذهني، وأحفظه مما كنت نظرته في الحلل المذكورة وقتل الخبيث بعده بأيام قليلة، قتله إبراهيم الشريف الزّرقاني من عمل باجّة والقصة في قتله مشهورة وما فعل من المساوي في عباد اللّه يلقاه عليه في القيامة مسطورا.
و لما قدم الشيخ أبو عبد اللّه محمد العواني هذا من سفره المذكور وفدت تسلم عليه أعيان أهل القيروان، ومن جملتهم قاضيها الشيخ الفاضل الإمام أبو العباس أحمد صدام اليمني وذلك عام ثمانية ومائة وألف ومدحه بهذا النظم:
أهلا بمفرد عصره وزمانه ... وبمن أتى كالغيث في إبانه
و يسيد فاق الأنام بفضله ... ورقى به شرفا على أقرانه
و بلوذع من قد سمى بفنونه ... خلق السّخا والجود بين بنانه
شيخ جليل هاشمي فرعه ... متأيد بالنصر في إيمانه
و أغاثه الهادي بخير إغاثة ... فرأى المواهب جهرة بعيانه
و أجاره من هول خطب حفه ... من كيد أعداء ومن امحانه
و أتى به مثل الهلال إذا بدا ... للناظرين تشوقا لبيانه
للقيروان برفعة وجلالة ... يا فوز حرّ كان من إخوانه
ما ذا عجيب حيث نال مرامه ... بالمصطفى وأحله بمكانه
فالوالد البرّ الذي تحمى به ... أولاده بالفضل في إحسانه
ما يخشى ضيما من يكون محمد ... جدّا له مأمون من خسرانه
(1) الحمام: بكسر الحاء، الموت.