فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 993

القلوب فضل المقادة، ومعنى سنيّ جاده صوب الإصابة والإجادة، وبرّ هنيّ اتّفقت على الاعتراف بفضله ألسنة الثناء والشهادة، فسرّحت طرفي فيما حواه من بدائع وطرف، قد جمعت في الحسن والإحسان بين واسطة وطرف، حتى لم تبق في البلاغة يتيمة إلّا جبرتها وتمّمتها.

وله إلى الأمير السيد أبيه يهنئه بالقدوم.

كتبت وأنا بمنزلة من ارتدّ إليه شبابه بعد المشيب، وارتدى برداء من العمر قشيب، والحمد لله رب العالمين، وصل كتاب مولاي مبشّرا من خبر عوده إلى مقرّ عزّه وشرفه، محروسا في حفظ الله وكنفه، بما لم تزل الآمال تتنسّم روائحه، وتترقّب غادي صنع الله فيه ورائحه، واثقة بأنّ عادة الله الكريمة عنده تسايره وترافقه، وتلزم جنابه فلا تفارقه، حتى تخرجه من غمرة الغماء خروج السيف من الغمد، والبدر بعد السّرار [1] إلى الانجلاء، فعددت يوم وروده عيدا، أعاد عهد السّرور جديدا، وردّ طرف الحسود كليلا وقد كان حديدا، ولم أشبّهه في إهداء الرّوح والشفاء، وتلافي الرّوح بعد أن أشفى [2] على المكروه كل الإشفاء إلّا بقميص يوسف حين تلقّاه يعقوب عليه السلام من البشير [3] ، وألقاه على وجهه فنظر بعين البصير، فكم أوسعته لثما واستلاما، والتقطت منه بردا وسلاما، حتى لم تبق غلّة في الصدر إلّا برّدتها، ولا غمّة في النفس إلّا طردتها، ولا شريعة من الأنس إلّا وردتها.

وله فصل من رسالة:

وكان فرط التعجب مرّة وعظم الإعجاب تارة يقف بي عند أول فصل من فصوله، ويثبّطني عن استيفاء غرره وحجوله، ويوهمني أنّ المحاسن ما حوته قلائده، ونظمته فرائده فليس في قوس إحسان وراءها منزع [4] ، ولا لاقتراح جنان فوقها متطلّع، حتى إذا جاوزته إلى لففه وتزيينه، وأجلت فكري في نكته وعيونه، رأيت ما يحيّر الطّرف، ويعجز الوصف، ويعلو على الأول محلّا ومكانا، ويفوقه حسنا وإحسانا، فرتعت كيف شئت في رياضه وحدائقه، واقتبست نور الحكم من مطالعه ومشارقه، وسلّمت لمعانيه وألفاظه

(1) السّرار، بكسر السين: آخر ليلة من الشهر يظهر فيها القمر. لسان العرب (سرر) .

(2) أشفى على المكروه: أشرف عليه. لسان العرب (شفا) .

(3) يشير إلى سورة يوسف في القرآن الكريم.

(4) المنزع: السير الذي ينتزع به يقال: لم يبق في قوس الصبر منزع: أي أن الصبر نفدت أسبابه. لسان العرب (نزع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت