وهو كتاب يتصرّف الناظر فيه من نثره إلى شعره، ومطبوعه إلى مصنوعه، ومحاورته إلى مفاخرته، ومناقلته [1] إلى مساجلته، وخطابه المبهت [2] إلى جوابه المسكت، وتشبيهاته المصيبة إلى اختراعاته الغريبة، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة، وجدّه المعجب إلى هزله المطرب، وجزله الرائع إلى رقيقه البارع.
وقد نزعت فيما جمعت عن ترتيب البيوت، وعن إبعاد الشكل عن شكله، وإفراد الشيء من مثله فجعلت بعضه مسلسلا، وتركت بعضه مرسلا [3] ليحصل محرّر النّقد، مقدّر السّرد وقد أخذ بطرفي التأليف، واشتمل على حاشيتي التصنيف وقد يعزّ المعنى، فألحق الشّكل بنظائره، وأعلّق الأول بآخره، وتبقى منه بقية أفرّقها في سائره ليسلم من التطويل المملّ، والتقصير المخلّ، وتظهر في التجميع إفادة الاجتماع وفي التفريق لذاذة الإمتاع، فيكمل منه ما يونق القلوب والأسماع إذ كان الخروج من جدّ إلى هزل، ومن حزن [4] إلى سهل أنفى للكلل، وأبعد من الملل وقد قال إسماعيل بن القاسم [هو أبو العتاهية] [5] : [البسيط]
لا يصلح النفس إذ كانت مدابرة ... إلّا التنقّل من حال إلى حال [6]
وكان السبب الذي دعاني إلى تأليفه، وندبني إلى تصنيفه، ما رأيته من رغبة أبي الفضل العباس بن سليمان أطال الله مدّته، وأدام نعمته! في الأدب، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب وأنّ اجتهاده في ذلك حمله على أن ارتحل إلى المشرق بسببها، وأغمض [7] في طلبها، باذلا في ذلك ماله، مستعذبا فيه تعبه، إلى أن أورد من كلام بلغاء عصره، وفصحاء دهره، طرائف طريفة، وغرائب غريبة، وسألني أن أجمع له من مختارها كتابا يكتفي به عن جملتها، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قاربه وقارنه، وشابهه
نحو 133هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 3ص 11) والشعر والشعراء (ص 529) ومعجم البلدان (ج 1ص 438، مادة البصرة) والعقد (صفحات متفرقة) والأعلام (ج 2ص 297) .
(1) المناقلة في المنطق: هي أن تحدّثه ويحدّثك، القاموس المحيط (نقل) .
(2) المبهت: المحير. لسان العرب (بهت) .
(3) المرسل: غير المسلسل، والمسلل هو اتصال الشيء بنفسه. لسان العرب (أرسل) و (سلسل) .
(4) الحزن: ما غلظ من الأرض، والجمع حزون. لسان العرب (حزن) .
(5) ديوان أبي العتاهية (ص 223) .
(6) رواية صدر البيت في الديوان هي: لن يصلح النّفس إن كانت مدبّرة. والمدابرة: الهزيمة، وجاءت هنا بمعنى ذات الملال والسأم. لسان العرب (دبر) .
(7) أغمض في طلبها: ذهب. لسان العرب (غمض) .