الوجه، مليح النغمة والإشارة، ملتفّ الأعضاء، بين الطويل والقصير، مسنون الوجه [1] ، قائم الأنف، حسن العينين والمضحك [2] ، حلو الصّورة، لطيف الكفّ والأطراف وكان فصيح اللسان، جيّد البيان، عذب الألفاظ، حلو الشمائل، كثير النوادر، وأعلم الناس كيف تكلمت العرب، راوية للأشعار، علّامة بالأخبار، كأن كلامه شعر موزون.
وأقبل أبو شراعة العبسي، والجمّاز في حديثه، وكان أقبح الناس وجها، وكانت يد أبي شراعة كأنها كربة نخل [3] فقال الجماز: فلو كانت أطرافه على أبي شراعة لتمّ حسنه فغضب أبو شراعة وانصرف يشتمه.
والجماز هو: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء بن ياسر، وكانوا يزعمون أنهم من حمير، نالهم سباء في خلافة أبي بكر، رضي الله عنه، وهم مواليه، وسلم الخاسر [4] عمّه، وكان الجماز من أحلى الناس حكاية، وأكثرهم نادرة.
قال بعض جلساء المتوكّل: كنّا نكثر عند المتوكل ذكر الجماز حتى اشتاقه، فكتب في حمله إليه، فلما دخل أفحم، فقال له المتوكل: تكلّم فإنّي أريد أن أستبرئك، فقال:
بحيضة أو بحيضتين يا أمير المؤمنين؟ فقال له الفتح [5] : قد كلّمت أمير المؤمنين يولّيك على القرود والكلاب! قال: أفلست سامعا مطيعا؟ فضحك المتوكل وأمر له بعشرة آلاف درهم.
وكان لا يدخل بيته أكثر من ثلاثة لضيقه فدعا ثلاثة، فجاءه ستّة، وقرعوا الباب، ووقفوا على رجل رجل فعدّ أرجلهم من خلف الباب فلّما حصلوا عنده، قال: اخرجوا عني، فإنما دعوت ناسا ولم أدع كراكيّ.
(1) المسنون: المخروط. لسان العرب (سنن) .
(2) المضحك: الفم. لسان العرب (ضحك) .
(3) الكربة، بفتح الكاف والراء والباء جميعا: أصل السعفة. لسان العرب (كرب) .
(4) هو سلم بن عمرو، سمّي بالخاسر لأنه باع مصحفا واشترى بثمنه طنبورا، وكان من الشعراء المجيدين الماجنين. توفي سنة 186هـ. ترجمته في وفيات الأعيان (ج 2ص 350) واسمه فيه «سالم» ، وتاريخ بغداد (ج 9ص 136) والأغاني (ج 19ص 276) ومعجم الأدباء (ج 3ص 388) والأعلام (ج 3ص 110) .
(5) هو الفتح بن خاقان، وزير المتوكل شاعر فصيح، استوزره المتوكل وأمّره على الشام. قتل هو والمتوكل في مجلس أنس سنة 247هـ. ترجمته في معجم الشعراء (ص 318) وفوات الوفيات (ج 3ص 177) ومعجم الأدباء (ج 4ص 538) والفهرست (ص 116) ومروج الذهب (ج 4 ص 16، 3837) والأعلام (ج 5ص 133) .