وقالت فلمّا أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قالت له نم
فأصبح لا يدري أفي طلعة الضحى ... تروّح أم داج من الليل مظلم
أخذ قوله: «فألقت قناعا دونه الشمس» من قول النابغة الذبياني [1] : [الكامل]
قامت تراءى بين سجفي كلّة ... كالشمس يوم طلوعها بالأسعد [2]
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
وقال أبو حية يرثي سلمة بن عياش: [الطويل]
كأنّ أبا حفص فتى البأس لم يجب ... به الليل والبيض القلاص النجائب
إلى الغاية القصوى، ولم تهد فتية ... كراما وتخطوه الخطوب النوائب
ويعمل عتاق العيس حتى كأنها ... إذا وضعت عنها العلايا المشاجب [3]
بعيد مثاني الهمّ يمسي وماله ... سوى الله والعضب السّريجي صاحب [4]
يروم جسيمات العلا فينالها ... فتى في جسيمات المكارم راغب
فإن يمس وحشا بابه فلربما ... تواتر أفواجا إليه المواكب
يحيون بسّاما كأنّ جبينه ... هلال بدا وانجاب عنه السحائب
وما غائب من غاب يرجى إيابه ... ولكنه من ضمّن اللّحد غائب
وزعم الصولي أن أبا حيّة إنما قالها في محمد بن سليمان بن علي بن عبيد الله بن العباس. وكان أبو حيّة جيد الطبع، مألوف الكلام، رقيق حواشي الشعر.
وسئل الأصمعي عن قيس بن الملوح المجنون، فقال: لم يكن مجنونا، وإنما كانت به لوثة [5] كلوثة أبي حيّة، وهو القائل: [الطويل]
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشيّة أحجار الكناس رميم
رميم التي قالت لجارات بيتها: ... ضمنت لكم ألّا يزال يهيم
(1) ديوان النابغة الذبياني (ص 146) .
(2) السّجف: ستر رقيق مشقوق من الوسط. الكلّة: الناموسية. الأسعد: برج الحمل. لسان العرب (سجف) و (كلل) و (سعد) .
(3) العلايا: الأمتعة، مفردها عليان. المشاجب: أعواد من خشب تعلق عليها الثياب، مفردها مشجب.
لسان العرب (علا) و (شجب) .
(4) السّريجي: نسبة إلى سريج وهو قين (حداد) تنسب إليه السيوف السّريجية. محيط المحيط (سرج) .
(5) اللّوثة: مسّ الجنون. محيط المحيط (لوث) .