فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 993

عطفة النّهم، وطمع، ولم يعلم أنه وقع، ثم أتيت شوّاء يتقاطر شواؤه عرقا، ويتسايل جوذابه [1] مرقا، فقلت: أبرز لأبي زيد من هذا الشّواء، ثم زن له من تلك الحلواء، واختر من تلك الأطباق، ونضّد عليها أوراق الرقاق، وشيئا من ماء السّمّاق ليأكله أبو زيد هنيا.

فأنحى الشّوّاء بساطوره، على زبدة تنّوره، فجعلها كالكحل سحقا، وكالطحين دقّا، ثم جلس وجلست، ولا نبس ولا نبست، حتى استوفيناه، وقلت لصاحب الحلواء: زن لأبي زيد من اللوزينج [2] رطلين، فإنه أجرى في الحلوق، وأسرى في العروق، وليكن ليليّ العمر، يوميّ النّشر [3] ، رقيق القشر، كثيف الحشو، لؤلؤيّ الدهن، كوكبي اللون، يذوب كالصّمغ، قبل المضغ، ليأكله أبو زيد هنيّا. فوزنه، ثم قعد وقعدت، وجرّد وجرّدت [4] ، واستوفيناه، ثم قلت: يا أبا زيد، ما أحوجنا إلى ماء يشعشع بالثلج، ليقمع هذه الصّارة [5] ، ويفثأ [6] هذه اللّقم الحارة اجلس أبا زيد حتى آتيك بسقّاء، يحيينا بشربة من ماء، ثم خرجت، وجلست بحيث أراه ولا يراني، أنظر ما يصنع به. فلّما أبطأت عليه قام السّواديّ إلى حماره، فاعتلق الشّوّاء بإزاره، وقال: أين ثمن ما أكلت؟ قال: ما أكلته إلّا ضيفا! قال الشّوّاء: هاك وآك متى دعوناك؟ زن يا أخا القحبة عشرين، وإلّا أكلت ثلاثا وتسعين! فجعل السواديّ يبكي ويمسح دموعه بأردانه [7] ، ويحلّ عقده بأسنانه، ويقول:

كم قلت لذلك القريد، أنا أبو عبيد، وهو يقول: أنت أبو زيد!؟ فأنشدت: [مجزوء الكامل]

اعمل لرزقك كلّ آله ... لا تقعدنّ بذلّ حاله

وانهض بكلّ عزيمة ... فالمرء يعجز لا المحاله

ومن مليح ما قيل في القطائف قول عليّ بن يحيى بن أبي منصور المنجم: [الرجز]

قطائف قد حشيت باللّوز ... والسّكّر الماذيّ حشو الموز [8]

(1) الجوذاب: طعام يتّخذ من سكر ورز وجوز ولحم، معرّب كوزاب بالفارسية. محيط المحيط (جذب) .

(2) اللّوزينج، معرب، وهو نوع من الحلواء، يصنع من نوع من الخبز يسقى بدهن اللوز، ويحشى بالجوز. لسان العرب والقاموس المحيط (لوز) .

(3) ليليّ العمر: أي صنع من ليلته. يوميّ النّشر، أي نشر في يومه.

(4) قوله: جرّد وجرّدت: يريد أنّ كلاهما جرّد يده من ثيابه استعدادا لتناول الطعام.

(5) الصّارّة، بتشديد الراء: العطش. القاموس المحيط (صرر) .

(6) يفثأ هذه اللّقم: يسكّنها. القاموس المحيط (فثأ) .

(7) الأردان: جمع ردن وهو أصل الكمّ. القاموس المحيط (ردن) .

(8) الماذيّ: العسل. القاموس المحيط (مذي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت