ولا زال مخضرّ من الرّوض يانع ... عليه بمحمرّ من النّور جاسد [1]
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التصابي في خدود الخرائد [2]
ومن لؤلؤ في الأقحوان منظّم ... ومن نكت مصفرّة كالفرائد [3]
كأنّ جنى الحوذان في رونق الضّحى ... دنانير تبر من تؤام وفارد [4]
إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد
رباع تردّت بالرياض مجودة ... بكلّ جديد الماء عذب الموارد [5]
كأنّ يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
قال أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه: قال لي البحتري وقد اجتمعنا على خلوة عند المبرّد وسلكنا مسلكا من المذاكرة: أشعرت أني سبقت الناس كلّهم إلى قولي:
[الطويل]
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابي في خدود الخرائد
كأنّ يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرّواعد
هكذا أنشد، فاستحسن ذلك المبرد استحسانا أسرف فيه، وقال: ما سمعت مثل هذه الألفاظ الرّطبة، والعبارة العذبة، لأحد تقدّمك ولا تأخّر عنك. فاعترته أريحيّة جرّبها رداء العجب فكأنه أعجبني ما يعجب الناس من مراجعة القول فقلت: يا أبا عبادة، لم تسبق إلى هذا، بل سبقك سعيد بن حميد الكاتب إلى البيت الأول بقوله: [الكامل]
عذب الفراق لنا قبيل وداعنا ... ثم اجترعناه كسمّ ناقع
وكأنما أثر الدموع بخدّها ... طلّ تساقط فوق ورد يانع
وشركك فيه صديقنا أبو العباس الناشىء بما أنشدنيه آنفا: [المتقارب]
بكت للفراق وقد راعني ... بكاء الحبيب لبعد الديار
(1) في الديوان: «يانعا» بدل «يانع» . والجاسد: المصبوغ بالزعفران. القاموس المحيط (جسد) .
(2) في الديوان: «من» بدل «في» . والخرائد: جمع خريدة وهي البكر لم تمسس. القاموس المحيط (خرد) .
(3) في الديوان: «في الأرجوان منظّم على نكت» . والنّكت: جمع نكتة وهي النقطة. محيط المحيط (نكت) .
(4) الحوذان: نبت. التّؤام: التوأم. الفارد: المتفرّد. القاموس المحيط (حوذ) و (تأم) و (فرد) .
(5) تردّت بالرياض: اتّخذتها رداء. القاموس المحيط (ردى) .