ولما صار مع المسلمين في الخندق دعا [إلى] البراز، وقال: [مجزوء الكامل]
ولقد بححت من الندا ... ء بجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذ نكل الشجا ... ع بموقف البطل المناجز [1]
إني كذلك لم أزل ... متسرّعا نحو الهزاهز [2]
إنّ السماحة والشجا ... عة في الفتى خير الغرائز
فبرز علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: يا عمرو، إنك عاهدت الله لقريش ألّا يدعوك أحد إلى خلّتين إلّا أخذت إحداهما، فقال: أجل! قال: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى المبارزة، فقال: يا ابن أخي، ما أحبّ أن أقتلك! قال علي: لكني والله أحبّ أن أقتلك، فحمي عمرو، فاقتحم عن فرسه وعرقبه [3] ثم أقبل إلى علي: [الكامل]
فتجاولا كغمامتين تكنّفت ... متنيهما ريحا صبا وشمال [4]
في موقف كادت نفوس كماته ... تبتزّ قبل تورّد الآجال [5]
وعلت بينهما غبرة سترتهما فلم يرع المسلمين إلّا التكبير فعلموا أنّ عليّا قتله.
ولما قتل عمرو جاءت أخته فقالت: من قتله؟ فقيل: علي بن أبي طالب، فقالت:
كفء كريم! ثم انصرفت وهي تقول: [البسيط]
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكنّ قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديما بيضة البلد
من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد
قوم أبى الله إلّا أن يكون لهم ... مكارم الدّين والدّنيا بلا أمد
يا أم كلثوم بكّيه ولا تدعي ... بكاء معولة حرّى على ولد
أم كلثوم: بنت عمرو بن عبد ودّ. و «بيضة البلد» تمدح به العرب وتذمّ فمن مدح
(جزع) و (ذود) . ويليل: اسم واد في بدر يصبّ في البحر. معجم البلدان (ج 5ص 441) .
(1) المناجز: المبادر إلى القتال. لسان العرب (نجز) .
(2) الهزاهز: الشدائد والحروب لأنها تهزهز الرجال. لسان العرب (هزهز) .
(3) عرقبه: قطع عرقوبه. لسان العرب (عرقب) .
(4) تجاولا: تصاولا. لسان العرب (جول) .
(5) الكماة: جمع كميّ وهو الشجاع الذي يكمي لعدوّه. تورّد الآجال: ورود حياض الموت. يقول: إن الكماة يموتون من الهيبة. لسان العرب (كما) و (ورد) .