فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 993

بالعسل، موصولة حبال الأمن فيه بأسباب الأجل. قد جعل الله الدنيا دار قلعة، ومحلّ نقلة [1] ، فمن راحل ليومه، ومن مؤخّر لغده، وكلّ متشوّف لأجله، وجار لأمده. ما الدنيا إلّا دار النّقلة، ولا المقام فيها إلّا للرّحلة، إنّ المرء حقيق إذا طرقه ما يتحيّف صبره [ويتطرّق صدره] ، أن يعود إلى علمه بالدنيا كيف نصبت على النّقلة، وجنبت طويل المهملة، وابتدئت بالنقاد، وشفع كونها بالفساد، وأنّ الثاوي فيها راحل، والأيام فيها مراحل. موهوب الدنيا مسلوب وإن أرجىء إلى مهل، وممنوحها مجذوب وإن أخّر إلى أجل. لو خلّد من سبق، لما وسعت الأرض من لحق ولذلك جعلت الدنيا دار قلعة، ومحلّ نجعة: [الطويل]

سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب

تملّكها الآتي تملّك سالب ... وفارقها الماضي فراق سليب

وقال عتبة بن هارون: كنت مع فضل الرقاشي، فمرّ بمقبرة، فقال: يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، التي نطق بالخراب فناؤها، وشيّد بالتراب بناؤها، ساكنها مغترب، ومحلّها مقترب، أهل هذه المنازل متشاغلون، لا يتواصلون تواصل الإخوان، ولا يتزاورون تزاور الجيران، قد طحنهم بكلكله البلى، وأكلهم الجندل [2] والثّرى.

وقال خاقان بن صبيح: لوحشة الشكّ التمسنا أنس اليقين، ومن ذلّ الجهل هربنا إلى عزّ المعرفة، ولخوف الضلالة لزمنا الجادّة.

وقال بعض الحكماء: كمون المصائب وسكون النوائب وبغتات المنايا مطويّات في الساعات، متحركات في الأوقات، وربّ مغتبط بساعة فيها انقضاء أجله، ومتمتع بوقت صار فيه إلى قبره، ومنتظر ورود يوم فيه منيّته.

ووعظ أعرابيّ ابنا له أفسد ماله في الشراب، فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيام تنذرك، والساعات تعدّ عليك، والأنفاس تعدّ منك، وأحبّ أمريك إليك، أردّهما للمضرّة لديك.

ومن إنشاء بديع الزمان في المقامات: حدّثنا عيسى بن هشام قال: كنت في الأهواز في رفقة متى ما ترقّ العين فيهم تسهل، ليس منّا إلّا أمرد بكر الآمال، بضّ الجمال، أو

(1) الدنيا دار قلعة: أي انقلاع وارتحال. النّقلة: الانتقال. محيط المحيط (قلع) و (نقل) .

(2) الجندل: الحجارة. محيط المحيط (جندل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت