مختطّ حسن الإقبال، مرجوّ الأيام والليال فأفضنا في العشرة كيف [نضع قواعدها، والأخوّة كيف] نحكم معاقدها، والسرور في أي وقت نتعاطاه، والأنس كيف نتهاداه، وفائت الحظ كيف نتلافاه، والشراب [من أين نخلصه، والمجلس كيف نرتبه؟ فقال أحدنا: على البيت والمنزل، وقال آخر: على الشراب والنقل] ، وقال بعضنا: إلى السماع والجماع، وقمنا نجرّ أذيال الفسوق، حتى انسلخنا من السوق، واستقبلنا رجل في طمرين [1] ، في يمناه عكّازة، وعلى كتفه جنازة فتطيّرنا لما رأينا الجنازة، وأعرضنا عنها صفحا، وطوينا دونها كشحا، فصاح بنا صيحة كادت الأرض لها تنفطر، والنجوم تنكدر، وقال: لترونّها صغرا، ولتركبنّها قسرا. ما لكم تكرهون مطيّة ركبها أسلافكم، وسيركبها أخلافكم، وتتقذّرون [2] سريرا وطئه آباؤكم، وسيطؤه أبناؤكم؟ أما والله لتحملنّ على هذه العيدان، إلى تلكم الدّيدان، ولتنقلنّ بهذه الجياد، إلى تلكم الوهاد. ويحكم تطّيّرون [3] ، كأنكم مخيّرون، وتتكرهون، كأنكم منزّهون، هل تنفع هذه الطّيرة، يا فجرة؟.
قال عيسى بن هشام: فقد نقض علينا ما كنّا عقدناه، وأبطلنا ما كنّا أردناه فملنا إليه، وقلنا: ما أحوجنا إلى وعظك، وأعشقنا للفظك! ولو شئت لزدت، قال: إنّ وراءكم موارد أنتم واردوها، وقد سرتم إليها عشرين حجّة: [الطويل]
وإنّ امرأ قد سار عشرين حجّة ... إلى منهل من ورده لقريب
وفوقكم من يعلم أسراكم، ولو شاء لهتك أستاركم، يعاملكم في الدنيا بحلم، ويقضي عليكم في الآخرة بعلم، فليكن الموت منكم على ذكر، لئلّا تأتوا بنكر فإنكم متى استشعرتموه لم تجمحوا، ومتى ذكرتموه لم تمزحوا، وإن نسيتموه فهو ذاكركم، [وإن نمتم عنه فهو ثائركم، وإن كرهتموه فهو زائركم] قلنا: فما حاجتك؟ قال: هي أطول من أن تحدّ، وأكثر من أن تعدّ، قلنا: فسانح الوقت؟ قال: ردّ فائت العمر، ودفع نازل الأمر، قلنا: ما إلى ذلك سبيل، ولكن لك ما شئت من متاع الدنيا وزخرفها، قال:
لا حاجة لي فيها.
قوله: (وإن امرأ سار عشرين حجة) محرف عن قول قائله: (وإنّ امرأ قد سار خمسين حجة) والبيت لأبي محمد التيمي، أنشده دعبل: [الطويل]
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
(1) الطّمر: الثوب الخلق أو الكساء البالي. محيط المحيط (طمر) .
(2) تقذّروا السرير: كرهوه لوسخه. محيط المحيط (قذر) .
(3) تطّيّرون: أصل القول: تتطيّرون، فقلب التاء الثانية طاء ثم أدغمها.