وضرب من الظلم الخفيّ مكانه ... تعزّيك بالمرزوء حين تأمّل
لأنك يأسوك الذي هو كلمه ... بلا بصر لو أنّ جورك يعدل
وقالت الخنساء [1] : [الطويل]
وقائلة والنعش قد فات خطوها ... لتدركه: يا لهف نفسي على صخر
ألا ثكلت أمّ الذين غدوا به ... إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر؟! [2]
وماذا يواري القبر تحت ترابه ... من الجود يا بؤس الحوادث والدهر [3]
فشأن المنايا إذا أصابك ريبها ... لتغدو على الفتيان بعدك أو تسري [4]
وهذا المعنى كثير قد مرّت منه قطعة جيدة، ولم تزل الخنساء تبكي على أخويها صخر ومعاوية، حتى أدركت الإسلام فأقبل بها بنو عمّها وهي عجوز كبيرة إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه الخنساء، وقد قرّحت آماقها [5] من البكاء في الجاهلية والإسلام، فلو نهيتها لرجونا أن تنتهي، فقال لها عمر رضي الله عنه: اتّقي الله وأيقني بالموت، قالت: أبكي أبي وخير بني مضر صخرا ومعاوية، وإنّي لموقنة بالموت، قال: أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار؟ قالت:
ذلك أشدّ لبكائي عليهم! فرقّ لها عمر وقال: خلّوا عن عجوزكم لا أبا لكم! فكل امرىء يبكي شجوه، ونام الخليّ عن بكاء الشجي.
وكان عمرو بن الشريد يأخذ بيد ابنيه معاوية وصخر في الموسم، ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فمن أنكر فليغيّر، فلا يغير ذلك عليه أحد، وكان يقول: من أتى بمثلهما أخوين من قبل فله حكمه، فتقرّ له العرب بذلك.
وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «أنا ابن الفواطم من قريش، والعواتك من سليم، وفي سليم شرف كثير» .
وكان يقال لمعاوية: فارس الجون، والجون من الأضداد، يقال للأسود والأبيض، وقتلته بنو مرّة، قتله هاشم بن حرملة، فطلبه دريد بن الصّمّة حتى قتله، وأما صخر فغزا أسد بن خزيمة فأصاب فيهم، وطعنه ثور بن ربيعة الأسدي، فأدخل في جوفه حلقا من
(1) ديوان الخنساء (ص 5554) .
(2) في الديوان: «مشوا» بدل «غدوا» .
(3) في الديوان: «الخير» بدل «الجود» .
(4) في الأصل: «لتغد» بدون واو، والتصويب عن الديوان.
(5) الآماق: جمع مأق وهو مجرى الدمع من العين. محيط المحيط (مأق) .